نبذة النيل والفرات: سألت الرجل الذي كنه قبل عام، لم لا أراني بينهم؟ تلك زوجتي وهؤلاء أولادي وتلك هي الحجرة، وشخص الزينة الغريب، والأريكة المزركشة والضياء المصبر للحبة الألوجين، والباب المغلق، والأمسية التي صارت صافية. لم أسأل عن قرص الأسبرين ولم يلتفت أحد. لما عادوا اللحبة مضاءة واستلقت على الكنبة لم تسألني قبل أن تنام: أتحبني؟ لا أجدني واقفاً أو جالساً أو ساهياً، لا في أبيض الصورة ولا في أسودها ويخيل إلي، إن شئت انتشال الوقت من بئره، أنني ربما كنت خيال ذاك الشخص المغادر، تاركاً وراءه دخان سيكارة وكأساً نصفها فارغ من النبيذ، منذ عام لم تكن الصورة قد أصبحت قديمة بعد.
كانت منار في عامها الأول، وكان الرجل الذي كنته في عامه الأخير، وكانت كل سماء صافية وكل نهار مشرقاً، وكان للرجل متسع من الوقت لكي يقبل قدم ابنته الصغيرة، يقول لها قبل أن تغفو: أحبك كنت في الصورة الكبيرة على الجدار الغربي لردهة الجلوس مبتسماً، محدقاً في الجدار المقابل وحدي، معهم أو دونهم، وحدي. لم أحبني في اليوم العائلة حين قال أحدهم هاتوه من الصندوق، وراح يمسح الغبار والنسيان عن جلده". في ذاكرة كل منا ألبوم للعائلة، ولكن منى يفتحه وكيف يراه؟ هذا ما ينبهك إليه بسام حجار من خلال إصراره على تحريك الصورة والمشاعر والأحاسيس في آن معاً.
حصل على الإجازة التعليمية في الفلسفة العامة من الجامعة اللبنانية، وتابع دراسته العليا في باريس حيث حصل على دبلوم الدراسات المعمقة في الفلسفة.
عمل في الصحافة منذ عام 1979 فكتب للنداء (1979 ـ 1982) ثم للنهار (1978 ـ 1990)، وهو أحد مؤسسي الملحق الأدبي الأسبوعي لجريدة النهار.
يعمل منذ 1999 كمحرر وكاتب في "نوافذ" الملحق الثقافي الأسبوعي لجريدة المستقبل.
له مساهمات نقدية وأبحاث وترجمات نشرت في عدد من الصحف والمجلات العربية.
شارك في عدد من الندوات حول الشعر والثقافة العربيين في عمان وباريس ولوديف وكوبنهاغن.
لعل أبرز ما يميز شعر بسام حجار هو هذه القدرة على استلهام اليومي على نحو تبدو معه التجربة (الشعرية) تعبيراً عن علاقات وصور ذات ملامح محددة ومباشرة. إلا أن هذه العلاقات التي تتبادر إلينا من "أمكنة" خارجية مألوفة سوف تظهر في الغالب كارتدادات (مأسوية!) لما تنطوي عليه علاقتنا بالعالم. فالأشياء الصغيرة والعلاقات الجزئية تبدو مهددة في مواضعها الرتيبة والمفاجئة في آن.
كتب عن بسام حجار عدد من النقاد والشعراء أبرزهم: كمال أبو ديب، عبده وازن، حسن داود، عباس بيضون، صبحي حديدي.
مؤلفاته الشعرية:
- مشاغل رجل هادىء جداً ـ دار العالم الجديد ـ بيروت 1980
- لأروي كمن يخاف أن يرى ـ دار المطبوعات الشرقية ـ بيروت 1985
- "فقد لو يدك" ـ دار الفارابي ـ بيروت 1990
- "مهن القسوة" ـ دار الفارابي ـ بيروت 1993 - "حكاية الرجل الذي أحب الكناري" ـ دار الجديد ـ بيروت 1996 - "بضعة أشياء" ـ دار الجمل ـ بيروت 2000، "سوف تحيا من بعدي" (مختارات) ـ المركز الثقافي العربي ـ بيروت ـ الدار البيضاء ـ 2002، - "ألبوم العائلة يليه العابر في منظر ليلي" لإدوارد هوبر ـ المركز الثقافي العربي ـ بيروت ـ الدار البيضاء ـ 2003.
وله أيضاً:
"صحبة الظلال" ـ دار ميريام ـ بيروت 1992، "معجم الأشواق" ـ المركز الثقافي العربي ـ بيروت ـ الدار البيضاء، - "مجرد تعب" ـ دار النهار ـ بيروت 1994، "مديح الخيانة" ـ المركز الثقافي العربي ـ بيروت ـ الدار البيضاء 1997. - "البوم العائلة" و"تفسير الرخام" (2008). كما قام بترجمة عدد من الكتب الأدبية والفكرية.
ألبوم العائلة هو تشريح للصورة بعد أن يتم اخذها، فوراء الضحكات والنظرات والابتسامات الثابتة بالصورة بعد التقاطها الكثير ممّا يُمكن قوله! ديوان جميل وهادئ وحنون، واحدة من أجمل قراءاتي لبسّام حجّار
"كان يكفي أن أحكي لنفسي حكاية الرجل الذي نام مُستلقيًا على الكنبة واستيقظ حين شاء في ختام هذه القصيدة غير أني من بين أشياء أخرى لم أكن شاعرًا لم أكن..شاعرًا..فحسب".
" كنت في الصورة الكبيرة على الجدار الغربي لردهة الجلوس..مبتسمًا محدّقًا في الجدار المقابل وحدي معهم أو من دونهم وحدي".
" سألت الرجل الذي كنته قبل عام لم لا أراني بينهم ؟" .. " كنت في الصورة الكبيرة على الجدار الغربي لردهة الجلوس مبتسماً محدّقاً في الجدار المقابل وحدي معهم أو من دونهم وحدي" .. إنه بسام حجار الشاعر الأرَقّ تحديداً.
بعض الكتّاب يطاردون المعنى، وبعضهم يصطاده، أما بسّام حجّار، فيبدو كأنَّه ينتظر أن يمرّ به المعنى صدفةً، مثل عابرٍ في زقاق ضيِّق لا يعرفه أحد. لا يحاول أن يدهش، لكنَّه يوجع. لا يرفع قناعًا، لأنَّه لم يرتده أصلًا.
كما تم ذكره في مكانٍ ما، فإن " بسام حجار هنا، يُطلعنا على منحى أفعال حياتية مكرورة " أشياء بسيطة جداً تلفته ربما فيُعيد صياغتها حسب وهج احساسه به وقتها!
ألبوم العائلة، هو صور \ حكايا .. الكثير مما يُخفى خلف ثبات الصورة بعد التقاطها، خلف النظرة البعيدة، الابتسامة المفتعلة، الوقت والمكان.
" هات الصور من الخزانة واجلس بقربي واحك لي ماكان ذات يوم "
حسناً، كان أقلّ بكثير مما تمنيت له أن يكون، لكنه -بسام- غالباً ما أُمني نفسي بأنني سـ أُمسك بخيطٍ دقيق يدلّني على تفصيل ما
كان يكفي أن أحكي لنفسي حكاية الرجل الذي نام مُستلقيًا على الكنبة.. واستيقظَ حين شاء في ختام هذه القصيدة غير أني- من بين أشياء أخرى- لم أكن شاعرًا لم أكت شاعرًا فحسب. ----------
نعم؛ بسام لم يكن شاعرًا هنا.. ولا حتى حكواتيًا كان يتحدث بذاكرة لئيمة، بتفاصيل دقيقة لأمورٍ اعتيادية يوميةٍ عابرة.. تفاصيل ستعبر في الحياة، قد تتكرر وقد ( لا).. تفاصيل لا تُهم أحدًا ربّما، لكنّ الذاكرة عزيزة صاحبها...
إن لم تكن مسترخيًا بمللٍ كسول، ومستعدًا لسماع حديثٍ ليس من شأنه أن يثيرك ويحفزك ويدهشك، فلا تقرأ بسام هنا.. لأنّك لن تُنصفه، ولن تلتقط جمال التفاصيل الدقيقة العابرة التي لن يلتفت/ يكترث لها أحدٌ بسهولة...
ونجمتين لأنه بسام، الذي أراهن على جماله وإن لم يرقني تمامًا هُنا!
كمن يُسِرَ لقلبك حكايات مررت بها و جعلتك شخصا آخر ، كمن يضع المرآة أمامك لترى ملامحك ، قلبك ، روحك ، المشجب الذي علقت عليه أناك حين قررت التفكير و التأمل و الشعر بسام لروحك الجمال ؛ كلما قرأت لك أيقنت أن رحيلك خسارة فادحة
ذاك أنّ وحده العابر المدرك عبوره يريد أن يبقى هاهنا، حيث الزوال. قالت: لم أكن هنا، أو هناك، مجرّد صور لما أردتُ أن أكون، لما أراد، هو، أن أكون لما لم نكن، نحن ذات يوم.
يراودني إحساس أن بسّام حينها، أعني وقت كتابة هذا النصّ، كان يحاور صورته في ألبوم العائلة. حوار تشكَّل على هيئة نص شعري طويل ورقيق كهذا. حوار مع الماضي بشكلٍ أو بآخر، حيث نتماهى مع ذواتنا السابقة، نتسابق معها، وربما نطارد ظلها. وما كل هذا سوى إيضاح لذواتنا بأنها ليست وحيدة. ولأنه ألبوم للعائلة، فلابد أن الأوجه متنوعة وربما كثيرة، لكل وجه ذاكرة، بل لكل ملمحٍِ في كل صورة ذاكرة. هذه الذاكرة ككل الوجوه الحزينة تحمل ما يكفي من الوجع والحنين. "التصوير الفوتوغرافي فنٌ رثائيّ" بالأحرى قالت سوزان سونتاغ ذلك حين شاهدت كيف أن حزن تلك الوجوه ينتقل لآلة التصوير بسلاسة وخفّه،"سألت الرجل الذي كنته قبل عام/لم لا أراني بينهم؟".. "سألت الرجل الذي كنته قبل عام/ هل رأيتني هناك؟".
ماذا يجول في خاطرنا حين نشاهد ذوات مختلفة ومتنوعة من أنفسنا في ألبوم العائلة؟ هل نرى ما كان يجول في رؤوسنا حينها؟ هواجسنا وتفاصيل أرواحنا؟ بالرغم من عطب تلك الذاكرة إلا أن في حقيقة الأمر تلك الصور هي من تكلِّم حاضرنا. وتلك الخزانة التي تحتضن ألبوم العائلة كيف لها أن تحمل وزر سنين طويلة ووجوه حزينة كتلك التي تحادثُنا. صورنا تلك، في نهاية الأمر، تعيش طويلًا، أطول منّا.
ماذا عن الوجوه التي غابت عن الألبوم، بعد أن جمَّدتهم آلة التصوير في سيرورة الفوتوغرافيا، كيف نربت على أكتافهم الآن؟ "كانت العتباتُ/ وراءهم/ مغمورة بالمياه" وكانت لحظاتهم الجامدة شاهد دائم على عبورهم الوديع على شِغافنا.
"تلك زوجتي وتلك هي الحجرة وشخص الزينة الغريب والأريكة المزركشة والضياء المصبّر للبمة الألّوجين والباب المغلق والأمسيات التي صارت صاخبة لم أسأل عن قرص الأسبرين ولم يلتفت أحد
لمّا غادروا أبقت اللمبة مضاءة واستلقت على الكنبة لم تسألني قبل أن تنام: هل تحبني؟"
نهايةً، هل نحزن أن نسعد لمن لا يمتلكون ألبوم للعائلة؟
- لم أدرِ أكان ذاك شحوباً في الوجوه التي أرى أم هو النور الواهن في عينيّ
- سرت .. لأنّي لا أريد أن أصل
- كأنْ تقول ليس اليد بل لمستها الأرقّ من عناقٍ في جوار حكاية الأشفّ من ضياء بعيد في نافذة بعيدة
لا يسيرُ الرجل بسهوه الذي يشبه حزناً وعينيه المغمضتين لأن أحداً عند الباب ينتظره ... بل يسير لكي ترتسم بخطوه المسافة .. ولكي يطمئن إلى أن المسافة هنا، إلى أن المسافة هناك، إلى أن البعد كالقرب إنما هو مشقّة طريق.
السير هو ملاذ السائر ... السير هو وجهة السائر، صندوق تذكاراته، خارطة لأماكنه المتخيّلة، قاموس لموتاه .. ومفرداته، كتبه وفرشاة أسنانه، وأوراقه وألبوم العائلة.
-------------
كان يكفي أن أحبّ ما أحبّ أن أنام أن أحلم لكي أدرك أن ما جعلتُه حياة فيما مضى كان ظلاً للحياة وصفاً لما حسبت أنه الحياة لكي أدرك أن الحلم حلم أن اليقظة يقظة أن الألم ألم وكان يكفي أن أعبر تلك المسافة بين باقة الأشجار التي تقدّمت في السن ومالت شاكية على الجدران المتداعية فأدرك أني سرت لأني لا أريد أن أصل
كان يكفي أن لا أحيا كلّ يوم أن أهب بعضاً من نهاراتي لنزلاء الفنادق والمصحّات لمياتم الوقت لغرباء الطريق لأرومات المكان