كتاب متواضع مثل أغلب الكتب التي تخرج لنا من دكاترة الجامعات وأعضاء هيئات التدريس، لا أعتقد أن هذا الكتاب أضاف لعلوم القرآن شيء، وتقريباً الكتاب يعتمد على النقل الحرفي أو يقتبس من مصادره في تسعة أعشاره، حتى في ترتيب المباحث ووسائل الطرح والترجيحات لم أشعر بأي إبداع.
وخلاصة حكمي وتعليقي؛ أن هذا الكتاب الضعيف علمياً صُنع ليُضيف رقماً في رصيد الدكتور العلمي وليكلل مؤلفاته بكتاب يُنسب لعلم عظيم كعلوم القرآن الكريم. ونحسب أن هذا دأب وديدن مُعظم من يُمثلون العلماء، وأصحاب المناصب الرسمية من أساتذة الجامعات وغيرهم.
وعلى كل الأحوال أي كتاب يتحدث في حقل علوم القرآن؛ لهو كتاب قيّم وعظيم كعظمة صفات وخصائص ما يُمثله، وهذا حتى لو كان منقولاً أو مصنوعاً على سبيل الواجب المدرسي، لذلك حملت الكتاب على محمل الجد من أول صفحة حتى آخر صفحة وبداية فهرس المصادر، وسأعرض عليكم الآن بعضاً من أهم المغالطات والملاحظات في تفصيله:
١- أحسب أن الدكتور فهد قد أخطئ في التحيز لحكم السفر بالمصحف إلى بلاد الكفار، وأن الأمر فيه تفصيل، وتوجيهات، وأن حديث البخاري كان يُقصد به ما لم يذكره من باب التعسف. وقد أخبر بالمنع، دون غيره في صفحة ٦٩ من كتابه مما قد يُشكل على القارئ ويلبس عليه.
٢- في صفحة ٨٢ ذكر الدكتور فهد بالنص في السطر الثاني والثالث "وكان كتّاب الوحي -رضي الله عنهم- يضعون كل ما يكتبون في بيت رسول الله ﷺ وينسخون لأنفسهم منه نسخة" ولم يذكر المصدر أو الدليل. فمن أين جاء بتلك المعلومة التي لم يسبقه إليها أحد ؟!
٣- في صفحة ٤٠٧ ذكر الدكتور أربعة أقسام؛ مُدعياً أنه لا يقع النسخ فيهم، ونوقن بأن بعض ما ذُكر لم يقع به نسخ، وأن معظم مسائل العقيدة لا كلها، وقصص الأنبياء، والأخبار المحضة، لا يُباح فيها النسخ. ولكن كيف جزم الدكتور بأن النسخ لا يُمكن وقوعه في الصيام والحج والبيع والشراء والزواج والأخلاق والآداب؟ أين الدليل على ذلك وقد وقع النسخ أصلاً في مسألة من مسائل الصيام ! وحتى في أبواب العقيدة، فقد ترجح أن الشرك الأصغر ربما يجوز فيه نسخ، لقوله تعالى في سورة سبأ ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، وقد قال أكثر من عالم أنه إن كانت تلك التماثيل على إطلاقها من ذوات الأرواح، فقد نسخ الله حكمها في شريعة محمد ﷺ.
٤- في صفحة ٤١١ ذكر فهد الرومي الآية الثانية في سورة النور تحت أمثلة نسخ القرآن بالسنة المتواترة (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) وقال أنها منسوخة لآية الرجم؟ ونقل عن مصطفى زيد أن ذلك تخصيص، وليس نسخ، والظاهر أنه يوافقه. ثم عقب بكون هذا النوع من النسخ جائز عقلاً، ولكنه لم يقع في القرآن !! والصحيح أن هذه الآية ليست منسوخة لآية الرجم، وأن المثال نفسه تحت عنوان (نسخ القرآن بالسنة المتواترة) لا يصح، وأن هذا من التلفيق. وقد أورد الشيخ مصطفى زيد هذا المثال في سياقٍ آخر.
٥- في صفحة ١١٥ نقل المؤلف عن الزركشي في البرهان أن سورة النساء، والأعراف، ومريم ليس لهم إلا اسم واحد !! وهذا خطأ وقع فيه الزركشي مثل كثير أخطاءه، وتابعه عليه الرومي، فهناك من سمى سورة النساء بسورة النساء الكبري وسمى الطلاق بالنساء الصغرى، وهناك من سمّاها سورة الفرائض، وسورة مريم أيضاً تكنى بسورة كهيعص، وسورة الأعراف أيضاً بعضهم يطلق عليها سورة الميقات، والمانعة. ومن أسباب هذا الخطأ عدم اعتماد الكاتب رأي واضح في مسألة أسماء السور، وهل هي توقيفية أم اجتهادية. وهذا سيظهر بعد صفحتين، وتحديداً في الصفحة ١١٧ حيث ذكر الخلاف في هذه المسألة سريعاً جداً في سطرين صغيرين.
والكتاب في الجملة نافع بطبيعة موضوعه، وغني بتشريف ورفعة القرآن الكريم، وإلا فإنه عادي جداً. وفي الأخير إذا أردت أن تقرأ كتاباً عمدة في علوم القرآن الكريم للعلماء الكبار، فعليك بالإتقان للسيوطي أو البرهان للزركشي، وإن أردت مختصراً طيباً للمعاصرين فعليك بمباحث في علوم القرآن لمناع القطان.
درسته بالجامعة وكان زيد بن ثابت أكثر من علق في ذهني عندما تحدث المؤلف عن تدوينه للقرآن ..هذه الأمانة، الخوف من الله بل حب الله وتقديس دينه ليست عادية . لم أكن أعرف الصحابي الجليل زيد بن ثابت حق المعرفة ولكن بعد أن درست هذا الكتاب صرت أشعر بالامتنان له وبالخجل من تقديماتي لديني أمام ما قدمه هو وبالمسؤولية تجاه القرآن ..معجزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم