في هذا الكتاب تناولت عدداً من القضايا والمفاهيم الممهدة للتأصيل الإسلامي لعلم النفس التي أرى أنه لا يصح لمن يشتغل بالتأصيل أن يجهلها، ومن اشتغل به وهو يجهلها فربما أساء أكثر مما يحسن، وأفسد أكثر مما يصلح. وقد تركت قضايا أخرى كثيرة هي ممهدة للتأصيل وشرط في صحته، وأسأل الله عز وجل أن يعينني للكتابة فيها فيما بعد.
هذا الكتاب عبارة عن بحث في التأصيل الإسلامي لعلم النفس الذي نشأ وبدأ في خمسينيات القرن الماضي..ويعنى بالتأصيل الإسلامي لعلم النفس حسب الباحث هو: إعادة بناء علم النفس وفقا للتصور المعرفي الإسلامي. أي هو لايعيد انتاج علم النفس بمعزل عن كل الخبرات والتصورات والنظريات التي قام عليها العلم بل يحاول ان يجد صيغة لهذا العلم بحيث يصبح اكثر توافقا من الناحية المعرفية بثقافتنا الإسلامية.ويعيد تقييم النظريات الغربية حول الشخصية ومكوناتها"النفس\العقل\الروح" بصيغة تتفق مع ماجاء ذكره في القراآن الكريم والسنة النبوية. أي "تصبح موضوعات هذا العلم ومايتضمنه من مفاهيم ونظريات متفقة مع مبادئ الإسلام أو على الأقل غير متعارضة معها" كما عمد الباحث على نقد علم النفس الغربي بنظرياته وكيف أن الثقافة السائدة في عصرهم أثرت بشكل كبير في وضع بعض النظريات والتصورات حول تأسيس بعض المدارس النفسية كالتحليلية لفرويد الذي أتى بفكرة اللاشعور من وحي كتاب فلسفة اللاشعور الذي كان سائدا في ذلك الوقت في ثمانينات القرن التاسع عشر في ألمانيا" نظرية ليبنتز عن اللاشعور وطورها فيما بعد هربارت الذي تأثر به فرويد جداا" وكذلك مدرسة الجشطالت التي ركزت على وحدة الإدراك متأثرة بفلسفة الألماني ايمانويل كانط. كما تحدث حول عدم اتفاق البعض حول حقيقة فصل علم النفس عن الفلسفة الذي يراه عبدالناصر السباعي أحد المهتميين والباحثين بالتأصيل الإسلامي لعلم النفس بأنه لايعدو عن كونه وهما فقط. اختلف مع الباحث في بعض ماجاء في بحثه حول مسألة عدم تدخل الجينات وتشوهات الكروموسومات في التأثير على اضطراب النفس وسلوكها ونشوء الامراض النفسية مستشهدا بالآية"لقد خلقنا الإنسان في احسن تقويم"، صحيح هناك جدل في الاوساط النفسية حول هذا الموضوع والبعض يرفض ذلك والآخر يتفق، وبعض الدراسات القديمة دحضت صحة هذه الفرضية ولكن أغلب الدراسات الحديثة تشير الى تأثر شخصية الإنسان ونزوعه أو استعداده لبعض الامراض النفسية بسبب وجود تشوه في الجينات الوراثية او الكروموسومات بالزيادة او النقصان، علاوة على ذلك أثبت العلم الحديث بان التشوهات في احد فصوص الدماغ يؤدي الى المرض النفسي والإستعداد للجريمة من مثل تشوهات الفص الجبهي والصدغي المرتبطة بالإضطرابات الجنسية والنزوع للجريمة والإصابة بمرض الفصام .وأيضا يتأثر الجزء الروحي للإنسان الذي يعد مهم في تشكيل الوعي النفسي للإنسان في حال حدوث خلل في الدماغ، فالجانب الأيمن من الدماغ مسؤول عن التوجيه الذاتي للفرد"رؤية الفرد لنفسه" والجانب الأيسر من الدماغ مسؤول عن نظرة الفرد للمجتمع والمحيط والآخر من حوله،وانخفاض تركيز الفرد على احد جوانب الدماغ الايمن\الأيسر يؤثر في الجانب الروحي لديه. لايمكن فصل أي جزء او مكون من مكونات الإنسان البيولوجية والفسيولوجية حين نقيس مدى تأثيرها في حالة حدوث خلل في نفسية وسلوك الإنسان. كما أنه يقول بأن كلما زاد الفرد علما زادت قدرته على التغيّر"تعديل سلوكه" في كل مرحلة من مراحل عمره المختلفة و نحو الأفضل. الكلام النظري قد يصدقه التصور المنطقي ولكن قياساً بالواقع هو بعيد جداً ، ولو صح كلامه لكنا نعيش في عالم أقل عنفا واكثر تسامحا وتصالحا مع النفس والآخر وأكثر تقديرا للذات. يشكر الباحث في اجتهاداته وفي مقارنته للكثير من النظريات الغربية لعلم النفس وماورد في نصوص القرآن واسهابه في الشرح والتفصيل والنقد حول رؤى الباحثون السابقون في التأصيل الإسلامي لعلم النفس من ربط وفصل وقياس بعض النظريات عليه"القرآن"، سواء اتفق او اختلف معهم في الرؤية. الكتاب"البحث والرؤية في التأصيل الإسلامي" بشكل عام جيد.