بعد مؤلفه "فلسطين المتخيّلة" وكتاب "القدس ليست أورشليم" اللذين أثارا في أوساط المهتمين والقراء وعلماء الآثار والتاريخ القديم نقاشاً لم يهدأ حول بطلان القراءة الاستشراقية للتوراة، وحول الصلة الزائفة بين فلسطين وكتاب اليهودية المقدس- تقديم رؤية جديدة لما يُسمّى "الشعر العبري" ويبرهن من خلال ترجمة جديدة للنصوص العبرية من مراثي الأنبياء في التوراة، أنها جزء لا يتجزأ من تراث الشعر الجاهلي الضائع الذي كُتب بلهجة عربية قديمة. والمثير للدهشة أن القائد التي يُعيد الربيعي ترجمتها، ومقاربتها مع الشعر الديني ولغته "سجع الكهان" تتضمن أسماء أماكن ومواضع وقبائل لا صلة لها لا من قريب ولا بعيد بفلسطين، وإنها – كما تقول القصائد- في اليمن القديم! وفي هذه المساهمة الجديدة لتصحيح تاريخ فلسطين، يطوّر الربيعي نطريته عن أرض التوراة في اليمن، ويبرهن أن اليهودية ولدت هناك كدين عربي قديم، وأن التوراة لم تذكر قط لا اسم فلسطين ولا الفلسطينيين، وأن القراءة الاستشراقية – الأوروبية- هي التي خلقت هذا الوهم، وساهمت في تمرير الخدعة
ولد فاضل الربيعي في بغداد عام 1952 ونشط في الميادين الادبية والفكرية والسياسية منذ مطلع شبابه, وامتاز هذا النشاط بالتنوع والجدية ولفت اليه اهتمام وانظار أبناء جيله. وذلك بفضل الطابع الخاص للكثير من مؤلفاته التي زاوج فيها بين الادب والتاريخ والاسطورة والسياسة. كانت نشأته السياسية في اطار الحركة اليسارية العراقية عندما وجد نفسه ينخرط في العمل في صفوف الشيوعيين العراقيين. تبلور وعيه كيساري تحت تأثير الكتابات والافكار والنشاطات اليسارية في العراق والعالم العربي. وربما كان لنشأته هذه أثر كبير سوف يتجلى تاليا في الكثير من مواقفه السياسية والاجتماعية.
بدأ فاضل الربيعي حياته الادبية والفكرية والسياسية في السبعينات ككاتب قصصي. غادر العراق عام 1979 مع انهيار التحالف السياسي بين الشيوعيين والبعثيين. وصل إلى شيكوسلوفاكيا وعاش بضعة أشهر في براغ التي غادرها إلى عدن عاصمة اليمن الجنوبي السابق ليعمل في صحيفة الثوري التي يصدرها الحزب الاشتراكي اليمني. في صيف 1980 استقر في دمشق وعمل محرراً في مجلة الحرية اللبنانية كما عمل مراسلا ثم مديرا لمكتب مجلة الموقف العربي في دمشق. في سنوات الثمانينات اسس تجمعا ثقافيا باسم العمل الثقافي مع مجموعة من المثقفين العراقيين وفي هذه السنوات تزايد اهتمامه بالثقافة الفلسطينية في الأرض المحتلة فنشر كتابه السؤال الاخر.
حدث التحول الأهم في حياة الربيعي ككاتب عندما طور اهتماماته باتجاهين: دراسة التاريخ القديم ودراسة الاساطير.في هذا السياق بدأ بنشر سلسلة من المقالات التحليلية للاساطير العربية القديمة ولكنه لم ينشرها في كتاب مستقل.عام 1989 غادر دمشق مع اسرته ليعيش في بلغراد (عاصمة يوغسلافيا السابقة) وليعمل محررا في مجلة البلاد الفلسطينية. انتقل من بلغراد إلى قبرص عام 1991 وعمل محررا ثقافيا في مجلة الشاهد. نشر روايته الثانية ممرات الصمت عن دار الملتقى في نيقوسيا والتي بنى حبكتها الروائية على أساس دمج الادب بالاسطورة. حظيت الرواية باهتمام النقاد العرب حتى ان ناقد اكاديميا في سوريا هو الدكتور نضال الصالح كرس لها أكثر من فصل في اطروحته للدكتوراه والتي صدرت في كتاب مستقل.و كما حظيت روايته الأولى باهتمام كبار الروائين والنقاد العرب فقد نالت روايته الثانية الاهتمام نفسه.ثم عاد إلى دمشق عام 1994 كمدير لمكتب هذه المجلة. نشر كتابه الشيطان والعرش الذي كرسه لتحليل الاسطورة العربية القديمة والتوراتية عن لقاء النبي سليمان ببلقيس ملكة سبأ. اثار الكتاب اهتمام النقاد والقراء وكتبت عنه عشرات المقالات ومازال ناشر الكتاب شركة رياض الريس في بيروت يعرض الكتاب في المعارض السنو
يحاول الكاتب هنا ان بريط الاشعار الموجودة في التوراة مع الادب العربي وانها جزء لا يتجزأ من الاشعار والمراثي العربية الضائعة, وان الدين اليهودي دين عربي والقبائل العربية هي من اعتنقت هذا الدين وقامت بنشره والدفاع عنه.
وان احداث التوراة دارت في اليمن من خلال الفضاء الجغرافي لهذه المنطقة واسماء القرى والقبائل التي موجودة في هذه المرثيات والاشعار موجودة في اليمن وليس لها علاقة بفلسطين وجغرافية فلسطين.
وان مترجمي التوراة وخاصة المستشرقين قدموا الترجمة لتتناسب مع فلسطين وجغرافيتها. وحتى الالواح الاثرية التي يتم اكتشافها يتم مقارنتها بما يتلائم مع التوراة.
استكمالا لما قدّمه الكاتب في "فلسطين المتخيلة" وتكرارا لبعض ما جاء فيه، يقدّم فاضل الربيعي مجموعة من النصوص المترجمة من التوراة العبرية إلى العربية مباشرة دون الاستعانة بالتوراة العربية المترجمة ، ويكشف مزيدا من التطابقات بين جغرافيا التوراة وجغرافيا االيمن القديم وبين قبائل الجزيرة العربية والأسماء الواردة في التوراة، مؤكدا أنه لا علاقة لها بفلسطين . المراثي هنا نصوص شعرية مختلفة لا تعدو إلا أن تكون نصوصا مماثلة للشعر العربي القديم، وشعراؤها ليسوا إلا شعراء عرب، وفي سياق ذلك يثبت الكاتب مرة أخرى أن المواضع المذكورة في التوراة ليست إلا أماكن في الجزيرة العربيةوركز في كتابه هذا على اثبات أن صور الواردة في قصدية حزقيل ليست صور اللبنانية وإنما صور العمانية.
هو إستطراد للكتابين السالفين الذين خصصهما الدكتور الربيعي لنسف صورة فلسطين المتخيلة في التوراة وإعادة إرسائها في اليمن القديم لكن في هذا الكتاب "المراثي الضائعة" بمصادر أكثف من المجلدين السابقين فنجد عشرات كتب الإخباريين والرحالة العرب ، أيضاً الكتاب لم يتطرق إلى المسائل الجغرافية فقط بل أستهل بصورة ممتعه بذكر كيف تعاطى المسلمون الأوائل مع التوراة من حيث قداسته وكيف أنقسموا في ميلهم له إلى شقين شق المتجنبين له قدر الإمكان والمحذرين منه بقيادة الرسول -صلى الله عليهم وسلم- وشق المائلين له المتزودين من أخباره بقيادة عمر بن الخطاب وكيف تعامل المسلمون مع يهود المدينة وأحبارهم ، يعيب هذا الكتاب بعض المواضيع المكررة للأسف وكأنها وضعت لسد فراغ في الكتاب كمرثية صور وقصة قتل الملك إحزيل في السمرا وقصة واقعة مجدو المكررة من المجلدين السابقين "فلسطين المتخيلة" لكن هذا لايمنع أنها ستكون مواد شائقة لمن لم يقرأ المجلدين المذكورين سالفا.