أخي الشاب المسلم . . كتابي هذا الّذي بين يديك هو نتاج شاب مسلم مثلك ، وربما يكبرك في العمر وربّما يصغرك ! إلاّ أنه يعيش معك مرحلة الشباب بكلّ همومها ومعاناتها وآلامها وآمالها ، نعيش معاً نستلهم من ماضينا الرسالي الإسلامي ثباتاً وقوةَ ، ومن حاضرنا معاناة تدفعنا للحركة وتطرد عنا السكون ، ومن مستقبلنا الموعود أملاً لا نعرف معه اليأس والقنوط .أخي الشاب المسلم . . أكتب إليك كتابي هذا لا لتقرأه في أوقات الفراغ لتملأ به فراغاً تستشعره ، ولا في أوقات الملل لتطرد به مللاّ تستبطنه ، وإنّما أريدك أن تقرأه كما تقرأ مشروع عمل يطالبك بالنهوض والسعي لتغيير واقعك وواقع أمتك المسلمة . . مشروع عمل يطالبك بتوفير كلّ مستلزمات النهضة ومتطلبات الحركة . . مشروعالصفحة 6عمل يقدم لك صفحات لوقت العمل لا صفحات لأوقات الفراغ .فكلّنا يعي تمام الوعي ويدرك تمام الإدراك القيمة الكبيرة التي يوليها كلّ مجتمع لشبابه ؛ إذ أن المجتمع ـ أيّ مجتمع كان ـ إنّما يعقد أماله ويعلّق طموحاته على هِمم شبابه وسواعدهم ، وبكلمة مختصرة : إن حياة المجتمع تقاس بحيوية شبابه واندفاعهم في ميادين الحياة المختلفة ، يفكِّرون ويغيِّرون ويبنون ، وإذا ما قدر لأمة ما أن تموت هِمم شبابها وتضعف سواعدهم فإن الأمة سرعان ما تنطفئ شمعة عمرها وتذبل زهرة حياتها .والأمة التي تفكِّر في النهوض وتسعى إليه هي الأمة التي تفكر أوّل ما تفكر في شبابها وتؤسس الطرق التي من خلالها تتمكن أن تستثمر طاقات وقدرات شبابها أفضل استثمار وأحسنه . وتُناقِضُ حركةُ النهوض ومقتضياته تلك الأمة التي لا تفكِّر في شبابها ولا تسعى لتأسيس قواعد نهضتها على سواعد شبابها ، أو تجعل الاهتمام بشؤون شبابها ومشاكلهم في آخر اهتماماتها وأولويات حركتها وانطلاقتها .وممّا لا ينبغي السكوت عنه ولا يصح التغافل عنه هو طريقة التعامل التي تعتمدها مجتمعاتنا الإسلامية مع شبابها ، فهم لا يعطون الاهتمام الكافي ، لا على مستوى التفكير بصورة جدية ومتعمّقة في واقعهم ، ولا على مستوى التأسيس العملي لمجالات الإنماء والاستثمار لقدراتهم المخزونة وطاقاتهم المودعة في ذواتهم .إن مجتمعاتنا الإسلامية متهمة ـ لحد اليوم ـ بأنّها تفرِّط فيالصفحة 7شبابها ، ولا أحد يدرك هذا التفريط تمام الإدراك ويستشعره كلّ الاستشعار إلاّ الشباب أنفسهم ، فهم يستشعرون الحاجة إلى الموجِّه والمرشد ، ويرغبون في من يأخذ بأيديهم إلى الطريق الصحيح ، ويتمنون التعامل مع من يحترم عقولهم ويقدِّر أحاسيسهم ويعايش مشاكلهم الصغيرة والكبيرة ، ويبحث لهم ومعهم عن حل لمصاعب الحياة الاجتماعية والأخلاقية والروحية ، وهي المصاعب التي تضغط على الشاب بشكل كبير في هذه المرحلة الحساسة من حياته .ولكن الشاب في أكثر الأحيان لا يجد من يقرأ المشكلة التي يعانيها في وجهه قبل أن يضطر الشاب إلى الإفصاح عن مشكلته ومعاناته ، ولذا لا يجد الشاب بداً من كتمان مشكلته النفسية أو الروحية أو الاجتماعية أو حتى السياسية ، ويبدأ في معالجة مشكلته بنفسه بما يمتلك من خبرات قليلة وأفكار مبتدئة لم تُنضجها تجارب الحياة بعد ، ولم تنمّيها حصيلة العمر والفكر بالقدر الكافي للتغلب على مشاكل الحياة المتنوّعة . وفي هذا النوع من الحل الذاتي الّذي يسعى الشاب من خلاله لحلّ مشاكله بنفسه يواجه الشاب في غالب الأحيان إخفاقات وانتكاسات قد لا يراها هو كذلك ويحسبها بشكل من الأشكال حلاً لمشكلته ، ولكنها سرعان ما تظهر بصورة سلبية على حركاته وسكناته ، وهذه الصورة السلبية التي تعكس تأثيراتها على حركة الشاب وسكونه هي التي تكشف لنا في وقت متأخر أن الشاب قد كان يعاني مشكلة ما لم نستطع الوقوف عليها في بداية نشوئها .الصفحة 8وقد يصاب الشاب بإحباط أكبر حينما يضطر لسبب أو آخر لعرض مشكلته الخاصة والإفصاح عنها إلى من يثق فيه ويعتقد أنه سيدلّه على طريق الحلّ ، ولكنه يصدم بالطريقة الباردة التي يتعامل بها الطرف الآخر مع مشكلة الشاب .وممّا يؤسف له كل الأسف أنّنا حينما هبّت رياح التغيير الفكري والثقافي والعقيدي على مجتمعاتنا الإسلامية بسبب حركة الصحوة الإسلامية المعاصرة التي تركت بصماتها واضحة على سلوك شبابنا المسلم وطريقة تفكيرهم في كلّ أرجاء العالم الإسلامي وحتى خارج هذا العالم ، لم نتوقع أن شبابنا سيواجهون مشاكل وإثارات مستجدة هي إفرازات طبيعية لابد من نشوئها نتيجة التغير المفاجئ والقفزة النوعية في حركة الشاب العملية ونظرته الفكرية والعقيدية . ولذا لم نبادر إلى استباق المشكلة التي يفترض أن الشاب المسلم سيواجهها ويعانيها ، بالتفكير في بلورة حلّ متكامل وشامل لمشاكل شبابنا في مرحلة ما بعد الصحوة . . وهكذا قدر للمشاكل والصعاب المختلفة أن يواجهها شبابنا في مرحلة النهوض من دون استعداد مسبق للتغلب عليها ومجاوزتها ، وكان من الطبيعي حينئذٍ أن يصعب على كثير من شبابنا المسلم أن لا يقع ضحية هذه الإثارات والمشاكل التي لم يعهدها من قبل في حياته ولو على مستوى القراءة والإطلاع .وأهم تلك المشاكل التي واجهها وما زال يواجهها شبابنا المسلم في الوقت الراهن هي المشاكل الرّوحية التي ترتبط من قريب أو بعيدالصفحة 9بقضايا غيبية وما وراء طبيعية ، ويمكننا أن نعتبر هذه المشاكل ؛ بالنظر إلى أثارها الفردية والاجتماعية والدينية والدنيوية التي تلازمها ، من أخطر المشاكل الحياتية التي يواجهها الشاب المسلم على الإطلاق .ومن الواضح أنّ المشاكل الرّوحية لا تبرز في حياة شبابنا كقضايا فكرية يراد معالجتها على ضوء ما تثيره من إشكالات عقلية فلسفية ، بل إنها تبرز وتنمو كقضايا نفسية ترتبط أشد الارتباط بالبعد الوجداني الروحي عند الإنسان ، وعلى هذا الأساس تتحول المشاكل الروحية عند شبابنا المسلم إلى مشاكل وأزمات نفسية ، يُهدِّد أي خطأ في التعامل معها بتحوّل الشاب إلى مريض نفساني يصعب علاجه وربّما استحال .وإدراكي لخطورة المشاكل الروحية على شخصيات شبابنا المسلم في حاضرهم ومستقبلهم هو الّذي دفعني لمحاولة التعرّف على هذه المشاكل والإلمام بها ومن ثم محاولة معالجتها ، فكان هذا الكتاب الّذي أرجو من الله ...
ن موليد البحرين 1962م، تلقى تعليمه الحكومي في مدارس البحرين وفرغ من الثانوية العامة في العام 1979م، ومن ثمّ توجه إلى الدراسة في الحوزة العلمية في مدينة قم المقدسة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية واشتغل بالدرس والتدريس في الحوزة بشكل متواصل حتى العام 1999م حيث عاد إلى بلده البحرين.
حضر مرحلة البحث الخارج عند آية الله الشيخ الوحيد الخراساني في علم الأصول، وأيضاً عند آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي في علم الأصول وعلم الفقه.
يشتغل حالياً بالبحث والتأليف والتدريس في الحوزة العلمية في البحرين.