هذا الكتاب كتب بلغة رفيعة، وفلسفة عالية، وبناء على معرفة تامة بمصطلحات الفلسفة وأصحابها ومناهجهم، لذا فهو غير موجه للمتواضعين في باب الفلسفة مثلي ، وهو موجه للأشخاص المتخصصين في فلسفة إقبال والباحثين في منهجه تحديدا، ممن هم ليسوا مثلي ولا أشكالي :) لكن لكون الكتاب أهدي إلي من شخص عزيز جدا، وقررنا قراءته سويا والتعليق عليه لذا قرأته، وإلا لو سألتني عن القراءة فيه لنبهتك على أمر مهم جدا قبل أن تفعل: أولا: أن تكون مطلعا على فكر محمد إقبال قارئا لفلسفته من فمه وكتبه، وهذا ما أؤمن به قبل الحكم على أي شخص وقبل أخذ أي فكرة عنه من غيره، فإنه مهما كانت حيادية الكاتب وموضوعيته، تظل قراءته لمفكر ما وأفكاره متأثره بنظرته هو ومعتقداته لذا لا أؤيد أبدا أن تكون قراءتك الأولى لشخص ما من غير ما خطت يداه، فإن في هذا ظلما له وعدم استقاء صحيح لأفكاره حيث ترجمها عقله ولسانه لا لسان غيره. ثانيا: أن يهمك الغوص أكثر في فكر محمد إقبال والتعرف على منهجه ورؤيته من أعين أخرى، بهدف توسيع رؤيتك نحوه والاطلاع بشكل أدق على أفكاره، وهذه أيضا لم أصل لها، ولم أفكر يوما أنني سأصل لها، ولا يعنيني أن أصل لها حقيقة :) لكن هذا لم يمنع استفادتي مما استطعت فهمه استفادة كبيرة ، وتعرفي على جوانب من محمد إقبال الذي لم أكن أعرف منه غير اسمه، لذا فالكتاب مكسب، لكن نصيحتي لمن يود أن يربح من هذه القراءة ربحا بينا هي ما ذكرت سابقا، فالكتاب لا يجب أن يكون أولى قراءاتك عن محمد إقبال بل إن في هذا ظلما له.. هنالك نقاط وملاحظات أخرى سأذكرها على الكتاب بعشوائية كما كانت عشوائية الكاتب في طرحه لعدة نقاط متفرقة شتت بها ذهني وهي في الحقيقة نقاط تستحق كل واحدة منها القراءة المتأنية المتبوعة ببحث متوسع للاستفادة منها وتشربها، ومن هذه النقاط والملاحظات: - هذا الكتاب من الكتب التي تقرأ مرتين وثلاثا. - دائما يطلق على محمد إقبال المجدد، وبعد قراءتي لهذا الكتاب عرفت السبب، فالرجل يكره جدا ويمقت التبعية، ومذهبه قائم على الإيمان بالتجديد، والتجديد الذاتي تحديدا، الذي ينبع من كونك أنت مرجع في فهم وتجديد ووعي الدين، لا مجرد التقليد والتمسك بالموروث، وقد نقد المتمسكين بالموروث نقدا شديدا، ومدح كل من كانت ميزته التجديد في منهجه حسب الزمن الذي يعيشه كابن تيمية والغزالي وغيرهم. - الرجل من المؤمنين بالذاتية، وتقديس الذات -إن صح فهمي وتعبيري-، ومنطلقات فكره مبنية على الأنا العليا لدى الإنسان، وبالتالي فإنه يفسر كل ما يقوم به من منطلق إثبات هذه الذات وإسعادها عبر التطور الدائب والمستمر، فلعله بذلك يكون من أنصار الفردية، خصوصا أنه أكد مرارا معاداته للذوبان في المجتمعات والتبعية لها والافتخار بالانتساب إليها. - لا يؤمن أبدا بوجود قرن ذهبي أو مجتمع كامل، هو يرى أنك في مجتمعنا الآن كذات = تعادل ذات رجل يتواجد في مجتمع الصحابة -حسب ما فهمت- أي أنه ضد النظرة الأفلاطونية لأي شيء ولأي مجتمع أو أفراد، كل ما حدث هو أن المجتمعات تغيرت فبالتالي تغيرت طرق التعبير عن الخير والشر، لا انعدام أحدهما في مجتمع أو قرن وتواجد أحدهما في الآخر -وهذه الفكرة بل الكثير من أفكاره حقيقة أجدها تستحق النقد والتمحيص ويوجد ما يعارضها ليس بالكلية بل بشكل جزئي وإن كانت النظرة العامة صحيحة-. - يبدو أن كتب وفكر إقبال من الكتب التي تستحق أن تقرأها بتمحيص ونقد مصاحب لها وهذا ما أراه وأؤيده بشدة، هنالك الكثير من الأفكار والاعتقادات نعم يمررها بشكل جميل لكنها خطيرة، قد تمر على ذهني وذهنك لكن قد ينتبه لها عالم متخصص ويطلعك على موضع الثغرة فيها، خصوصا أن الرجل -وأعني به إقبال- ولد وتربى في مجتمع خليط من العقائد والمذاهب ناهيك عن الخليط الذي صنعه بنفسه لنفسه عن طريق قراءاته المتنوعة لمفكرين مختلفي المذاهب والرؤئ، وكلنا لا ينكر أثر النشأة والتربية والقراءة على الإنسان وفكره وإن لم يشعر، خصوصا أنه يؤمن بأهمية المرجعية الذاتية والوعي الذاتي في تطبيق الشريعة فمنطلقاته من ذاته خاصة لا من الشريعة وفهم الشريعة وتفسير الشريعة لمفاهيمها عبر مصادرها الأساسية والمرجعية الكبرى القرآن والسنة. - الرجل كما ذكرت خليط عجيب -وهذا ما لمسته بالتأكيد مما ذكره الكاتب هنا فقط لكي أكون منصفة-، مرة أرى فيه جلال الدين الرومي متعمما جبته، وحينا أجد النزعة المادية تطغى عليه، وحينا أشتم رائحة نيتشه في فكره، وحينا ديكارت وسبينوزا وغيرهم من الخليط العجيب الذي ظهر لنا عن طريق هذا المجدد ولا أعلم إن كان يطلق عليه حداثي يقدم لنا طبقه الفكري الجديد من نظرته المشكلة الإسلامية. - لمست من الرجل إيمانا بمبدأ التطور، وأحيانا جرأة في الحديث مع الله بجعل نفسه قباله وكأنه يوازيه أو يساويه وذلك في بعض أشعاره، وكذلك تفسير جديد للجنة والنار مخالف لصريح القرآن والسنة، ورأيه في هذه المسائل يصعب الجزم بها من شخص مثلي لم يعط الرجل حقه، لكنها كذلك تستحق بحثا أعمق، وفي حال كان ذلك صحيحا فإننا في حاجة لناقد ينقد لنا فكره، ويوضح خطأ معتقده، ويبين لنا موقعه قربا وبعدا من العقيدة الإسلامية في سردها للأولويات وإعطائها لكل شيء مكانه ومستحقه، وهذا ما أشرت إليه سابقا في كون كتب الرجل من الكتب التي تقرؤها وبصحبتك كتاب ناقد، ليجعلك تقرأ بكل موضوعية وحيادية وهدفك التوصل للحق فعلا لا مجرد الإعجاب بكلمات واعتقادات، وكذلك للتنبه مما إذا كان في بعض حديثه كلاما لا يليق ولا يتناسب مع روح الشريعة. - الكتاب من الكتب التي تحملها في يدك اليمنى وموقع الويكيبيديا أو أي قاموس لمصطلحات الفلسفة بيدك اليسرى خصوصا إن كنت شخصا متواضعا مثلي في باب الفلسفة. - أعجبني في الرجل جمعه لخصال ثلاث يصعب جمعها: الشعر، والفكر، والسياسة. هذه مقتطفات وملاحظات مترامية وسريعة أوردتها عن الكتاب ، وهي قابلة للزيادة والنقصان والتعديل والتصحيح.
إن سألتني عن مدى نجاح هذه التجربة؟ سأقول لك ناجحة بالتأكيد، لكنها ستكون أكثر نجاحا لو توفرت فيها الشروط التي ذكرتها سابقا. وإن سألتني هل سأقرأ لإقبال إذن وأنهل من المورد الأصلي (كتاباته)؟ امممممم لم لا؟ الأمر محتمل! لم أقيد اسمه بعد في قائمة كتبي، لعدم وضوح ووجود ما يدعوني لذلك، لم أشعر بأن القراءة له قد تهمني أو تناسبني، لكن هذا لا يعني أنها لن تلهمني، بل على العكس.. لذا ندع الأمر للزمن، ومن يدري؟ قد يأتي يوم تمتلئ مكتبتي بمؤلفاته :/
محاولة لا يستهان بها في قراءة فلسفة إقبال من خلال الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان، وقد يكون أفضل من كتب عن إقبال برأيي بالتوازي مع حسن حنفي في فيلسوف الذاتية.. ربما!
الكتاب ينقسم إلى أربعة فصول، يحاول أن يشرح فلسفة إقبال ضمن عدد من دواووينه الشعرية وكتابه تجديد التفكير الديني بشكل رأيسي. يتطرق لفلسفة الفرد وتأكيد الذات ومشكلة الفناء وانتصار إقبال لمدرسة البقاء تحت عنوان كوسمولوجيا الظهور. وكذلك يحكي عن الحركة والفاعلية واعتبارها أساس الحياة، وفلسفة إقبال في القدر ما بين الجبرية والاختيار، وكذلك يحكي عن نقطة الاتزان ما بين الفاعلية والاخلاص، ما بين العشق الالهي والعمل للإنسان عبر : كن مجنونا مع الله .. يقظاً مع محمد. وبمرور سريع على فلسفته في التسامح والحياة والاستقلالية والاجتهاد.
كتاب يعتبر تثبيت جيد .. بل ممتاز لفهم فلسفة اقبال بشكل صحيح ، سأضع النجوم الاربعة على اعتبار أن الخامسة هي للكتاب الذي ما زلت أبحث عنه في عقول البشر وأرواح بني الإنسان.