لم أعرف سهى إلا من خلال هذة السيرة الشخصية, والتي تقع تحت تصنيف أدب السجون.. أو"المعتقل" بتفسير سهى, لا أنكر أن النضال لصالح قضية ما يعد شيئاً نبيلاً ومشرفاً بشكل تام, إلا أن أشكال النضال تختلف تماماً, فالنضال يتخذ وجوهاً عدة, ولو أنني قرأ�� هذة السيرة قبل خمس سنوات لكانت وجهه نظري حيالها ستكون مختلفة تماماً, فـ "سهى" من خلال مخطط إغتيال قائد جيش لبنان الجنوبي لم تخرج من هذا المخطط إلا بعشرة أعوام خسرتهم لصالح القضية ولصالح محاولة إغتيال باءت بالفشل دون أن تفكر في الأطراف الأخرى التي ستسوقها معها إلى المعتقل وبالمشاكل التي ستلحق بأهلها وبقية أفراد عائلتها, وهو الطيش الذي يعيشه شباب وشابات في عمر المراهقة سعياً وراء وهم محقق بأن مشاركتهم في النضال ستكون سبباً في تحقيق القضية لأهدافها, وهو وهم يبيعه بنظري الرؤوس الكبرى التي تدير الحراك لملف تلك القضية لشباب وشابات بعمر الزهور غرر بهم لتحقيق مسالك أولئك المتربعون على عرش اللعبة دون أن تكون لهم مساهمات فعلية على أرض المعركة.
النضال شيء نبيل ومهم في تكوين القضية.. إلا أن النضال في قضية "سهى" لم يترك أثراً صعباً على الساحة, بل على العكس ترك أثره الأكبر على نفسيتها وجسدها كعلامة فارقة, بينما نهض "انطون لحد" بعدما إخترقت تلك الرصاصات المسمومه جسده وكأن ذلك الحدث لم يكن, لا أريد أن أنقص من مجهود وتأثير "سهى" في دفاعها عن القضية, إلا أن شكل النضال هنا كان محاوله بائسه لم تصنع في تاريخ النزاع شيئاً ولم تغير منه ولو جزءاً بسيطاً, شعرت وأنا أقرأ في صفحات هذا الكتاب أن تجربة "سهى" في المعتقل لم يعبر عنها بشكل مؤثر.. بل على العكس شعرت أن هناك قفزات عدة تجاوزت كثيراً من الأحداث الملهمه والصعبة التي قد تترك أثراً متفرداً على نفوس القراء, وقد يعود ذلك للترجمة التي تُفقدك أحياناً تعابير الكاتب الأصلية, بل على العكس تماماً كل الأمور التي صاغتها حول المعتقل قرأت عنها في سير وروايات سابقة كانت تدور حول ذات الموضوع وفي نفس هذا السياق.
ربما لأنني لم أعايش القضية على الواقع في تلك الفترة لم تخلق هذة السيرة تأثيراً كبيراً في داخلي, إلا أن هناك عدة فصول جعلتني أقرأ بإندفاع داخل سراديب هذة السيرة المكتوبة, وإحدى هذة الفصول ذلك الفصل الذي تطرقت فيه "سهى" إلى حكاية زميلتها وصديقة المعتقل "كفاح" وكيف إنتهى بها النضال لصالح قضيتها لتكون إحدى نزيلات معتقل "الخيام" لسنوات عدة وكيف إمتدت بها السنوات حتى إلتقت بـ "سهى" وكيف ودعتها "سهى" من خلف شباك زنزانتها الإنفرادية بعدما صدر أمر تسريحها من المعتقل, كذلك الفصول التي تطرقت فيها إلى الوسائل المبتكرة التي يتخذها المعتقل لتزجية الوقت وحتى يتناسى بطىء سير الزمن في المعتقل, كذلك حكاية زميلة المعتقل "حنان" وكيف إشتركوا بزنزانة واحدة همومهم وآمالهم العظمى في الوصول إلى غاياتهم من النضال, كذلك الفصل الذي حكت فيه حدث تسريحها من المعتقل, إلى الخاتمة التي إختصرت فيها الغاية من وراء النضال وبقائها متيقظة دائماً خلف جدران المعتقل.. عموماً تبقى سيرة "سهى" في مجملها مُلهمه ومؤثرة إلى حدٍ ما وهو أمر كفيل في جعلها تكتسب كل ذلك التقدير والإحترام من الرأي العام.