تنبني مُحاججة هذا الكتاب على أن دولة الإرادة المشخصة التي تغطي بعوارها واستبدادها الفضاءات الواسعة لعالم العرب الراهن، إنما تجد ما يؤسسها، واعية أو غير واعية، في الأغوار السحيقة للخطاب الذي تسيَّد فضاء الثقافة في الإسلام؛ والتي ينصهر فيها السياسي مع العقائدي والأنطولوجي؛ وأنه من دون اكتناه ما يتفاعل في هذه الأغوار، والوعي بما تنطوي عليه ويشتغل فيها، وتفكيكه، فإنه لن يكون الانتقال ممكنًا أبدًا من دولة الطغيان والقمع إلى دولة القانون والشرع، بل سيبقى الاستبدادا عتيًا، يعيد إنتاج نفسه من وراء زخارف الديمقراطية والحداثة وأكثر زركشاتها لمعانًا وبريقًا.
علي مبروك أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة، أحد أهم المفكرين المنشغلين بالتراث الإسلامي والفكر العربي المعاصر في السنوات الأخيرة. ولد مبروك عام 1961، وحصل على الماجستير عام 1988 والدكتوراة عام 1995، وإلى جانب عمله بجامعة القاهرة، عمل لفترة أستاذًا مساعدًا بجامعة كيب تاون في جنوب أفريقيا.
من مؤلفات
1-"النبوة...من علم العقائد إلى فلسفة التاريخ" 2-"عن الإمامة والسياسة، والخطاب التاريخي في علم العقائد" 3-"لعبة الحداثة بين الجنرال والباشا" 4-"ما وراء تأسيس الأصول...مساهمة في نزع أقنعة التقديس" 5-"الخطاب السياسي الأشعري...نحو قراءة مغايرة" 6-"السلطة والمقدس...جدل السياسي والثقافي في الإسلام" 7-"ثورات العرب...خطاب التأسيس" 8- فى لاهوت العنف و الاستبداد - الفريضة الغائبة في تجديد الخطاب الديني 9- الدين والدولة في مصر - هل من خلاص؟ 10- أفكار مؤثمة؛ من اللاهوتي إلى الإنساني 11- القرآن والشريعة؛ صراعات المعنى وارتحالات الدلالة 12- نصوص حول القرآن؛ في السعي وراء القرآن الحي
كيف يتحكم فينا التراث لهذا المدى العميق؟ كيف يحتل، وبقوة، الوعي الجمعي العربي/المسلم للدرجة التي يبدو معها وكأن هذا التراث هو أمر "طبيعي"، أمر كوني لا نملك سوى أن نسير وفقاً لصيرورته، لا نملك سوى الانقياد خلفه، فلا شيء وراء هذا التراث المهيمن ولا ثقافة غيره ... إن ما نفعله حتى الآن ليس إلا العيش على محض الأماني أملاً في تجاوز ما نحن فيه من استبداد دون أن ندرك أن بنية الاستبداد عندنا تتجاوز المستبدين كأشخاص لتصل للاستبداد كأساس في الثقافة التي هيمنت ورسخت طوال قرون من التاريخ العربي الإسلامي؛ فـ "إذ هو الانتقال - ابتداءً من أن كل ممارسة تكون مشروطة بخطابٍ يؤسس ويوجه - من عالم الممارسة إلى نظام المعنى والخطاب، فإن التعاطي مع ظاهرة الاستبداد لا بد أن يتجاوز مجرد السعي إلى إزاحة سلالة المستبدين، رغم الأهمية القصوى لذلك، إلى إزاحة الثقافة التي تنتج الاستبداد، فتنتجهم. وهنا يلزم التنويه بأن إزاحة ثقافة ما، لا يعني أكثر من أن تصبح موضوعاً لهيمنة الوعي، على نحو يقدر معه على تجاوزها، وذلك بدل أن يكون هذا الوعي هو الموضوع لهيمنتها، فتبقى مؤبدة التأثير والحضور" .. ص: 131.
ومن هنا فالاستبداد "راسخ" في تراثنا الذي هيمن، وبالتالي فهو راسخ في وعينا الذي يبدو أنه قد اكتفى بالنقل والترديد والافتخار بالمقدرة على الحفظ دون أي محاولة لإعمال العقل أو للفهم.
والحق أن "تفكيكاً لظاهرة الاستبداد العربي لا يمكن أن يتحقق خارج فضاء الأشعرية، كخطاب وثقافة، وليس كمذهب وعقيدة" ... ص: 131.
من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب، وهو كتاب قليل في عدد صفحاته - 132 ورقة تقريباً - لكنه يجعل أعصابك ملتهبة من فرط الغضب حينما تدرك - بطريق معرفي - أن الاستبداد يستقر في الخطابات التي كُتبَ لها أن تتسيد فضاء الثقافة الإسلامية/العربية .. عن الكيفية التي تم التعامل بها مع السياسة المستبدة على أنها شأن "طبيعي" لا راد لها ولا أمل ولا نجاة حينما تثور ضدها ... عن مسار العلاقة بين الديني والسياسي في الإسلام والمقارنة بينه وبين الوضع في المسيحية ... عن الكيفية التي صار بها الديني قناعاً للسياسي أو عن الكيفية التي أصبح الله بها (قناعاً) للسلطان المستبد ... عن الكيفية التي تم بها ترسيخ فكرة أن الحاكم/الإمام/الخليفة لا يأتي إلا بأمر من الله ولا راد لقضاء الله، فبالتالي لا راد لحكم هذا الحاكم مهما طغى واستبد.
ولعلك تندهش - بعض الشيء أو كله - إن علمت - مثلاً - أن عالم السياسة الأشعري مبني بالكامل على قاعدة الانفلات من التقيد بقانون، وإذا أدركت كذلك أن خطاب الأشعرية العقائدي هو الخطاب الذي هيمن في فضاء الثقافة الإسلامية، فلعلك تدرك أن جوهر الأزمة، التي نعاصرها الآن، تراثي بالأساس، ولا سبيل ولا مخرج إلا بنقد هذا التراث ومحاولة فهمه واستيعابه.
محاججات الكتاب كثيرة، والبحث المعرفي مكثف لمن أراد أن يفهم أو أن يقترب ولو بمقدارٍ ضئيل من الحقيقة، فهل من قارئ يرغب في الفهم؟
عن أزمة تراثية ما زالت تحيا فينا، أو نحياها ... أو لعل الوصفين صحيحان، فنحيا فيها "تاريخاً" وتحيا فينا "وعياً وثقافة وممارسة"؛ سواء كنا ندري أو لا ندري.
المنهجية الافتراضية عند علي مبروك ڪريمۖ ﭐلصياد·MONDAY, MARCH 20, 201780 Reads
نُشر بجريدة القاهرة 20-3-2017
(الروح التي ظلت تبحث عن جسد، ثم لم تجده حتى ارتفعت إلى السماء) هذه ربما العبارة التي تلخّص من وجهة نظري شخصيةَ (على مبروك)، في سياق نشاطه الفلسفي والثقافي والمهني داخل وخارج أسوار الجامعة. كانت الروح هي الطاقة والنشاط البالغان اللذان تمتع بهما، وكان الجسد، الذي لم يعثر عليه ربما، هو المنهج المحكَم والإبداع الفلسفي الأصيل. طغى علَى (مبروك) النشاطُ الثقافي، بين الندوات والمقالات والصالونات الثقافية والسياسية والكتب والأبحاث والمشاركات في مؤتمرات دولية وإقليمية ومحلية، بشكل يستحق أن يُتَّخَذ نموذجًا في المشاركة والإيجابية، لكن ذلك كله جاء على حساب الإحكام المنهجي والإبداع الفلسفي. استعمل مبروك فروضًا من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، اختبارها منهجيًا: كافتراض أن تحول الأشعري من الاعتزال إلى بناء مذهب كلامي خاص به كان نتيجة تفاعل فرويدي مع عقدة العداء ضد الأب-زوج الأمّ شيخ الاعتزال أبي علي الجبائي (مثلاً: ما وراء تأسيس الأصول-ص 140)، رغم أن منهجية التحليل الفرويدي قد مرت بتطويرات كثيرة في موطنها نفسه، ورغم أن أقصى ما يمكن أن يقدمه هذا الطرح مجرد (اقتراح) لفهم تحولات الأشعري، لا يرقى إلى درجة الموضوعية، التي يتطلبها البحث العلمي، ذلك دون تأسيس مشروع منهجي يعتمد منهج التحليل النفسي بصورته الفرويدية أو بصوره غير الفرويدية. فغاب سؤال المنهج، وحضر التطبيق السريع النشط. بالطريقة نفسها افترض مبروك أن ما يقبع وراء أصول الشافعي كعامل مؤسِّس هو عامل النسب في إطار اجتماعي قبَلي (ما وراء تأسيس الأصول-ص 81-82)، دون برهنة كافية على وجاهة هذا الفرض. فجاءت الفروض جديدة، وكثيرة، ولكن دون إركاز كافٍ للمنهجية. وفي حضور علي مبروك نوقش أشهر كتبه ربما "الخطاب السياسي الأشعري" بالسيمنار الشهري لقسم الفلسفة عام 2007، وقد تقدمتُ بمناقشة مختصرَة للعمل، وقلتُ أنه يقوم على ربط ما لا يرتبط: اللا حتمية في الطبيعيات مقابل ثيوقراطية أو شمولية الدولة؛ فاللا حتمية قائمة اليوم في العلم الطبيعي، وهي وجهة النظر الأكثر قبولاً حاليًا بين علماء المنهجية، دون تعارض مع الديمقراطية، كما أن الحتمية نشأت وانتشرت أيضًا في دول ومن خلال دعاوَى ديكتاتورية في جوهرها مثل فلسفة هوبز السياسية، الذي كان ماديًا حتميًا. وقد دافع خصوم الأشاعرة (المعتزلة) كذلك عن دولتهم، كما فعل الإسماعيلية والاثنا عشرية والصوفية وغيرهم، وكما سيفعل دومًا مثقف السلطة. واليوم يمارس المثقف العلماني في مصر مثلاً في كثير من الأحيان الدور نفسه. فمنطق التبرير نفسه غير قاصر على الأشاعرة ولا مؤسَّس على اللا حتمية في الطبيعيات، وله أسباب تاريخية في علاقة المثقف بالسلطة، وهذا البعد التاريخي سالف الذكر هو مربط الفرس هنا، لأن أي مذهب في الطبيعيات سواءً كان حتميًا أم لا-حتميًا قد يتخذ صاحبه موقفًا مع أو ضد السلطة طبقًا لعوامل تاريخية بحتة. اعتمد مبروك في الأمثلة السابقة، والتي تمثل أهم افتراضاته واجتهاداته في الواقع في علمي الأصول، على مجرد تماثلات عامة، بين العداء للأب والعداء للمذهب، بين افتقاد الأصل القبَلي وتأسيس الأصل الفقهي، بين اللا حتمية في الطبيعة والجبرية في الإلهيات والدكتاتورية في السياسة، دون اكتشاف العلاقات النظرية التي تربط أطراف هذه التماثلات داخل كل ثنائية على حدة، ودون بلورتها وتنظيرها بشكل عِلمي موضوعي، فمن الممكن أن يكون أي من هذه الفروض صحيحًا أو باطلاً بالنسبة نفسها من الصحة والبطلان. فتحول البحث العلمي إلى افتراض احتمالات واحتمال افتراضات. وإلى جانب منهجية المماثلة غير الدقيقة، اعتمد مبروك كذلك-كما أوضحت في بحث ألقي بحضوره أيضًا عام 2010 بالمعهد السويدي بالإسكندرية-على إعادة بناء نماذج تاريخية غير حقيقية، اعتمادًا على معارف تاريخية عامة ومصادر غير دقيقة، كإعادة بناء سيكولوجيا الأشعري أو الشافعي، ثم بناء البحث على أساس هذه النماذج المعاد بناؤها، مما يوحد بين الباحث وموضوعه؛ فهو الذي خلق الموضوع من رفات لا تدل في ذاتها على صورة كاملة دقيقة. إضافةً إلى منهجيتَي علي مبروك سابقتَي الذكر: منهجية المماثلة، منهجية إعادة بناء النماذج التاريخية، واللتين يمكن توحيدهما تحت مسمَّى "المنهجية الافتراضية"، شاب عمل على مبروك بصفة عامة النقل عن نصر أبو زيد؛ فمثلاً يمكن لنا على نحو دقيق وصف كتاب "الخطاب السياسي الأشعري" باعتباره مجرد إسهاب لفرضية طرحها فعلاً نصر أبو زيد في (نقد الخطاب الديني-ص 81) بصدد (التشابه) بين جبرية الأشاعرة في طبيعياتهم وثيوقراطيتهم. وهي الفكرة الأساسية في كتاب علي مبروك. و(التشابه) ليس برهانًا علميًا، ولا يحل محل البرهان العلمي. إن عدم الدقة المنهجية هذا يدفعنا إلى التساؤل حول موقف علي مبروك من البحث العلمي نفسه، وهو أهم سؤال في سياق مجموع أعماله فيما أرى: هل رأي على مبروك أن البحث العلمي المحايد الموضوعي خرافة، فلم ينشغل بتحقيق الدقة المنهجية قدر انشغاله بتوجيه أكبر كم ممكن من الانتقادات المبتكَرة ضد أصول المناوئ الإسلامي المعاصِر (الأشعري الشافعي)، وبالتالي وقع في الكم على حساب الكيف، وفي الابتكار الذي دفع ثمنه من الدقة؟ كريم الصياد Köln 22.2.2017