رواية العميان قصة فيها من الإمتاع ما يشدك لأن تأنس شخصياتها المغامرة. نجد فيه شخصية الراوية الممتعة التي تثير لديك الفضول لتعرف أكثر عن الآتي من الأحداث،فتستفز سامعيها بأسلوبها المشوق كأنها تشركهم في صناعة الحدث. كما يجتمع الطيش والقوة والطرافة والظرف في تصرفات مجموعة من الناس تدور حولهم الراوية،وهم العميان.فهم فاقدون لحاسة البصر لكن لديهم قدرات تعوض البصر وتفوقه أحيانا.
في تحفة رضوى عاشور " ثلاثية غرناطة"، كان المكان (غرناطة والأندلس بشكل عام) شخصية رئيسية محورية بقدر ما كانت شخصيات مريمة وعلي وأبو جعفر، هذا إن لم نقل أن المكان هو قطب الرحى ومحور الرواية. في هذه الرواية الماثلة أمامكم - رواية العميان للمغربي عبد العزيز آيت بنصالح - نقف إزاء نفس الحالة, حيث مدينة مرّاكش في زمن السعديين في القرن السادس عشر ميلادي, هي الشخصية الرئيسية وقطب الرحى، بقدر شخصيات عبد الله الكوش وابنته زهراء والأعمى المراكشي وأحمد المنصور الذهبي. ---------- "في خضم ماضي مرّاكش لا شيء يموت، ولا وجود للنسيان. ذاكرة المدينة مضيئة كصهدها. وقودها الناس ومحكياتهم اللافحة أحيانا والملطفة بالنسائم في أحيان أخرى. توتي وعظها كل حين إذ تتناغم مع العمران وقلّما تناقضه، وتتحايل على الوجدان فتتيح له فرصة التقمص والتوحد. تتحرر الألسنة كي تقذف الحروف قذفا، مع النفس، من حناجر مجللة بالدفء... فتفتّق شهوة التلقّي أغشيتها في آذان الناس فيتقمصون الأدوار الفائتة بحماستهم الهاذية." ----------- فالمكان : غرناطة لرضوى عاشور أو مرّاكش لعبد العزيز آيت بنصالح، كيان مَصْبوغ بصبغة إنسانية، رامٍ بثقله ووجوده على امتداد السيرورة السردية للرواية. غير أن الأديب المغربي المخضرم, في روايته هذه، لم يرم إلى " أَنْسَنَة" المكان فقط... وإنما أيضا أراد أن يعرض سلطة الحكي وفن القص. وإن أردنا استحضار فكرة ميشال فوكو عن " ميكروفيزياء السلطة"، حيث أن السلطة أو القوة (le pouvoir ) موجودة في كل مكان وبأشكال مختلفة كما الذرّة (l'atome)، فإنه لا غرابة أنّ لفنّ الحكاية وإلقاء القصص سلطة ظاهرة جليّة, يمتلكها الراوي والقاصّ على المتلّقي ( أو الحُضَّار في اللهجة الشعبية المغربية ) ، سلطة امتلكها عبد الله الكوش المجاهد ضد البرتغاليين (البُرْتَقِيز) على حُضّار مرّاكش بقصصه التي يُلقيها على كيفيّة نشأة مدينة مرّاكش، على يد المرابطين المُلَّثمين، سلطةٌ أورثها الكوش لإبنته زهراء التي طوّعت آذان النساء ومنهنّ أمّ السلطان المنصور وشقيقته، كما طوّع الكوش آذان حُضّار مرّاكش. هي سلطةٌ(une pouvoir )، تناولها عبد العزيز آيت بنصالح بطريقة شبيهة بكشوفات الأولياء عن الغيب (كما كان يُعتقد في ذلك العصر) وكرامات الصالحين وأهل العرفان والعارفين، مع شخصيتي الكوش وابنته زهراء. فكأنّ الكوش وابنته زهراء أثناء إلقائهما للقصص كالأنبياء في أقوامهم, يحملون خبر الغيب وما خفي عن العامة, يستجلبان ( الكوش وابنته) من عالم الحكي الميتافيزيقي عن ماضي مرّاكش وبنائها على أيدي المرابطين أخبارا يُشَنِّفُون بها أسماع حُضّارهم. سلطة الحكي وفن القصّ ليست كسلطة سلاطين السعديين وبني وطّاس قائمة على الجند والسلاح، بل هي تتجلّى بوضوح بالكلمات واللغة، وتطويع الأحداث وتصوّرها أين وقف المؤرخون وسكتوا، تجعل ما يقوله الراوي صحيحا للمتلّقي حتى وإن لم يكن صحيحا حقيقةً، سلطة جعلت من عبد الله الكوش وابنته زهراء " سلاطين" فوق سلاطين السعديين. لقد أبدع عبد العزيز في هذه الرواية، فهو يراوح بين الماضي (زمن المرابطين وبناء مرّاكش ) والحاضر (زمن السلطان الغالب بالله ومحمد المتوكل وأحمد المنصور الذهبي ) من خلال قصص الكوش والزهراء، كما أثرى الرواية بتعدد شخصياتها و إضافة الطرافة إليها مع شخصيات مثل الأعمى المرّاكشي ومغامراته النسائية و" القتالية" ضد عميان فاس، وجعلها حيّة أكثر بوضع مع بداية كل فصل, مقطع مقتطف من مؤرخي تلك الفترة عن حدث من الأحداث ( الفصل الأول مقتطع صغير من كتاب " الاستقصا" للمؤرخ الناصري عن اغتيال السلطان محمد الشيخ - الفصل الثاني مقتطف من نفس الكتاب عن محاولة اغتيال السلطان الغالب بالله - الفصل الثالث مقتطف من كتاب " دوحة الناشر" للمؤرخ الشفشاوني عن عبد الله الكوش - الفصل الرابع مقتطف من كتاب "الاستقصا" للمؤرخ الناصري عن معركة وادي المخازن - الفصل الأخير مقتطف من كتاب "نزهة الحادي" للمؤرخ الإفراني عن السلطان المنصور الذهبي ). كما " كسر" آيت بنصالح "الجدار الرابع" (اذا استطعنا القول) للرواية بالتوجه إلينا كقرّاء ليدلي بتعليقه عن شخصية زهراء بنت الكوش، وسُلطتها في إلقاء القصص.