نسافر لنقول للذين التقيناهم إننا سنعود ونلتقي بهم نسافر لنتعلم لغة الأشجار التي لا تسافر. لنلمِّع رنين الأجراس في الأودية المقدسة. لنبحث عن آلهة أكثر رحمة، لننزع عن وجوه الغرباء أقنعة الغربة. لنُسرّ للعابرين بأننا مثلهم عابرون وبأنّ إقامتنا موقّتة في الذاكرة والنسيان. نسافر حتى لا نرى أهلنا يشيخون، ولا نقرأ أيامهم على وجوههم. نسافر في غفلة من الأعمار المبددة سلفاً. نسافر لنبلّغ الذين نحبّهم أننا لا نزال نحبّ، وأنّ البعد لا يقوى على دهشتنا، وأن المنافي لذيذة وطازجة كالأوطان
عيسى مخلوف، كاتب وشاعر لبناني مقيم في باريس. درس في جامعة "السوربون" وحاز منها على شهادة الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الثقافية والاجتماعية، وهو يعيش على مفترق بين الثقافات المختلفة. له مؤلفات عدة في الأدب (شعراً ونثراً)، وفي البحث. وقد نقل إلى اللغة العربيّة الكثير من النصوص الأدبيّة والفكريّة من اللغتين الفرنسيّة والإسبانية، ومنها مسرحية "مهاجر بريسبان" لجورج شحادة (قُدّمَت في "مهرجانات بعلبك الدولية" صيف 2004).
كان يعملُ مديرًا للأخبار في "إذاعة الشرق" في باريس، وكان عمل في "النهار العربي والدولي" ومجلة "اليوم السابع" (أشرف على القسم الثقافي فيها). تسلّم أمانة التحرير في مجلّة "مواقف" من العام 1992 حتى العام 1994.
عمل مستشاراً خاصاً للشؤون الاجتماعية والثقافية في منظمة الأمم المتحدة، في إطار الدورة الحادية والستين للجمعية العامة (2006-2007).
نُقلَت بعض كتبه ونصوصه الأدبية إلى العديد من اللغات. حاز على جائزة ماكس جاكوب الفرنسية (2009) عن كتابه "رسالة إلى الأختين".
المؤلّفات:
في الشعر والنثر والمسرح:
" * نجمة أمام الموت أبطأت"، دار النهار للنشر، بيروت 1981.
" * تماثيل في وضح النهار"، دار أبعاد، بيروت 1984
" * عزلة الذهب"، دار أبعاد، بيروت 1992.
" * هيامات" (مختارات من "عزلة الذهب" نقلها إلى الفرنسيّة جمال الدين بن شيخ ورافقتها ست محفورات للفنان التشكيلي أسادور)، دار أندريه بيرين، باريس 1993.
" * عين السراب"، دار النهار للنشر، بيروت 2000. (الترجمة الفرنسية لهذا الكتاب وتحمل
توقيع نبيل الأظن، صدرت تحت عنوان "سرابات" عن دار "جوزيه كورتي" في
باريس عام 2004. وصدرت الترجمة الإسبانية التي أنجزها رافاييل باتينيو عن دار "مونتي
أفيلا"، كراكاس 2007، كما صدرت الترجمة الإنكليزية عام 2015، عن دار "بوست أبولو
برس"، وتحمل توقيع أليسيا ف. لام.
" *رسالة إلى الأختين"، دار النهار للنشر، بيروت 2004. نقل الكتاب إلى الفرنسية عبد اللطيف اللعبي وصدر عن دار
"جوزيه كورتي" في باريس عام 2008.
*"قدّام باب السفارة الليلْ كانْ طويلْ" (مسرحيّة) ، بالاشتراك مع نضال الأشقر. قُدِّمَت في
"مسرح المدينة" في بيروت، خريف 2008، قبل أن تُقدّم في بعض الدول العربية والأوروبية.
" *مدينة في السماء"، دار التنوير، بيروت 2012. (صدرت الترجمة الفرنسيّة عن دار
جوزيه كورتي في باريس عام 2014، وقد أنجزها فيليب فيغرو).
في البحث: " *بيروت أو الافتتان بالموت" (بالفرنسية) ، دار "لاباسيون"، باريس 1988.
" *الأحلام المشرقية/ بورخس في متاهات ألف ليلة وليلة" (دراسة وترجمة) ، دار النهار
للنشر، بيروت 1996.
" *تفاحة الفردوس/ تساؤلات حول الثقافة المعاصرة"، منشورات "المركز الثقافي العربي"، بيروت 2006.
في الترجمة:
" *قصص من أميركا اللاتينية" (نُقلت عن الإسبانية) ، مؤسّسة الأبحاث العربية، بيروت 1985.
" *بلند الحيدري، اغتراب الورد"، منشورات جمعية المحيط الثقافية، أصيلة، المملكة المغربية
1997.
" *جبران الفنّان والرؤيويّ" (بالفرنسية)، "معهد العالم العربي" ومنشورات "فلاماريون"،
باريس 1998 . (جاء الكتاب مواكباً لمعرض من إشراف المؤلف أيضاً، وأقيم في المعهد
في الفترة نفسها).
" *سيرة ومدينة، إصدارات إذاعة الشرق، باريس 2004.
مقاطع:
"في كتاب "عين السراب" يصهر عيسى مخلوف الكلامَ في شعريّة تتجاوز الحدود التي تمّ التواضُع عليها، بين ما يسمّى نثراً وما يسمّى وزناً، محقّقاً في ذلك نموذجاً أصيلاً للكتابة الشعرية الجديدة. وفي هذا يؤسّس، على نحو متميّز، لشكل شعري حيث يتآلف السرد والتأمّل والسيرة الذاتيّة والبحث، وتنصهر هذه كلّها في بنية فنية واحدة. الكتابة هنا لا تحتضن التفاصيل المرئيّة وحدها، وإنّما، وهذا هو الأكثر أهمية، تفتح هذه التفاصيل على الأبعاد اللامرئيّة في الأشياء والأحداث التي تنطق بها. هكذا تولدُ الكتابة منخرطة في الكينونة، في عناق شفّاف وحارّ لمستوياتها الحياتيّة والانفعاليّة والتخيّليّة والفكريّة."
أدونيس
------------
"أشعر باتحاد كامل مع جمالية نصوصه المُلغَزة وعمق مفارقاته... فهو كتاب صغير، شفّاف ومرتعش. إنّه كتاب ا
يكتب عيسى مخلوف عن أقسى المواضيع ولكن العذوبة لا تفارق مفرداته .. إنه يُسائل الأمكنة والتاريخ والذكريات ببراءة طفل و وعي فيلسوف .. أحببت كتاباته مترجماً وشاعراً وهنا في شكل نصوص نثرية . كان النصيب الأوفر في هذه المجموعة للحديث عن ذكرياته المرتبطة بحدث ترك أثراً عميقاً في روحه وذاكرته وكتاباته.. وفاة أخيه .. الفجيعة الأولى والفقد الأول الأليم الذي صار مرادفاً لكل خسارة . ويتضاعف الموت والفقد حين عصفت بلبنان الحرب الأهلية التي ينظر لها مخلوف نظرة تتسامى على الصراع ومسبباته وتنظر فقط لفداحة الخسارة التي تسببها الحرب على المستوى الإنساني. ثم تتنوع النصوص فعن رحيلة عن لبنان يتحدث ويختم بنصوص في الحب و السفر والتأمل والطبيعة والانتظار . عيسى مخلوف أحد الأقلام التي تجيد القول في كل مجال وبعذوبة يتمنى معها القارئ أن لا ينتهي النص.
”ما أرويه ليس إلا جزءًا مما لم أرَ ولو رأيتُ لما رويت."
يروي عيسى مخلوف ذكرياته، إنه حين يكتب- كما يقول-، إنما يكتب لنفسه، لأصدقائه وللتخفيف من عبور الزمن. أيامه الماضية، رؤيته للعالم بلغة وديعة أشبه ما تكون بالندى المقطّر على أوراق الشجر أول الفجر. عذوبة السرد رغم هول الفاجعة، يكتب عن الموت/ الغياب الأول لأخيه بفصل أسماه ”الاستغراق في الغناء“! آخ يا مخلوف. أشعرُ أن أيًّا مما أقول لن يفي ما أقصد، لأضع بعض الاقتباسات.. مثلًا:
- هل يحتاج العصفور إلى قبعة تقيه سخونة الشمس؟ العصفور الذي ينط من غصن إلى آخر ولا يبالي.
- لكنك، لكثافة الوداع من حولك، تحاول أن تلعب لعبتهم. ومثلهم تحاول أن تبكي فلا يطيعك دمع. هنا تنتهي طفولتك، فجأة. يتبدد سكون الموسيقى وصفاؤها أمام الموت المتساقط كالرّذاذ فوق العالم.
- لأن الذي يمضي يذهب أبعد من نفسه ويوقظ فينا ما لم نكن قد تنبّهنا إليه من قبل.
- ما هي إلا لحظات حتى أتنبّه إلى صوتها الآتي من بعيد وهي تغني. كانت تقف هناك في ظلال الشمس الغاربة. إنه المكان الذي اختارته لتتواصل معه. تناديه باسمه كأنه على مقربة منها. تغني له الاغنيات ذاتها دائمًا برنّتها الحزينة والأليفة في آن واحد. إنه لقاء خاص يتجاوز الفراق. هذا المشهد السري البعيد، المظلل بأغصان الورد، ينبغي أن يظل بعيدًا وسرّيًا. كأنه يجري في مكان آخر وزمان آخر. ينبغي أن أظل بعيدًا من ذلك الجرح الذي يحلو له أن يتعرّى وحيدًا.
- لم يطل زمانك أيها الطفل الآتي. من شغف النّبع إلى شغف المصبّ. يكتبك الضوء ويمحوك الرماد. يحنو عليك صوتٌ حنون. صوت لا يتعب ولا يشيخ ولا يعلوه غبار.
صِدقًا، كيف يُكتب الفقد والموت بهذه العذوبة البالغة؟
ربما لأنه أدرك أنه: ابنٌ للضوء لأنه ما حَزِنَ لفقدان شيء مما على سطح الأرض حزنه لافتقاد أشعة الصباح تُسّر في عينه سر المكان الوافدة منه.
وأُساءله كما تساءل، بعيدًا عن ذلك المكان وزمانه: لِمَ تُحدِّق في أشعة الشمس الغاربة. تتبعها بعينيك لحظة وراء لحظة. كأنك تريد أن تمضي إلى حيث يمضي شعاعها الأخير؟ ويبدو أنه أجاب عليّ في مفتتح كتابه: نسافرُ حتى نبتعد عن المكان الذي أنجبنا ونرى الجهة الأخرى من الشروق. نسافر بحثًا عن طفولتنا، عن ولادات لم تحدث. نسافر لتكتمل الأبجديات الناقصة. نسافر لنقول للذين التقيناهم إننا سنعود ونلتقي بهم. نسافر لنتعلم لغة الأشجار التي لا تسافر. لنلمّع رنين الأجراس في الأودية المقدسة. لننزع عن وجوه الغرباء أقنعة الغربة. لنُسِرَّ إلى العابرين بأننا مثلهم عابرون وبأن إقامتنا موقتّة في الذاكرة والنسيان. نسافر حتى لا نرى أهلنا يشيخون، ولا نقرأ أيامهم على وجوههم. نسافر في غفلة من الأعمار المبددة سلفًا. نُسافر لنُبلّغ الذين نحبهم أننا لا نزال نُحبّ، وأن البُعد لا يقوى على دهشتنا، وأن المنافي لذيذة وطازجة كالأوطان. نسافر لنخدع الموت، فنتركه يتعقبنا من مكان إلى آخر. ونظلُّ نسافر إلى ألا نجد أنفسنا في الأمكنة التي نسافرُ إليها. لنضيع فلا يعثر علينا أحد.