يضمّ هذا الكتاب ثلاث رسائل لم تنشر من قبل وهي : رسالة السقيفة، ورسالة في علم الكتابة، ورسالة الحياة . وكل رسالة من هذه الرسائل تكشف ناحية من نواحي التوحيدي الفكريّة والفنيّة وتساعد على تفهّم القضايا العقليّة والتيّارات الفكريّة التي تأثّر بها عصره أو شارك فيها. رسالة السقيفة : تمثّل جانب النضال بين السنّة والشيعة في عصر بني بويه. ذلك العصر الذي اشتدّت فيه المنازعات المذهبيّة والسياسيّة والفكريّة واشترك فيها النّاس على اختلاف عقائدهم وأعراقهم وتفاوت أنصبائهم من العلم والمعرفة. رسالة في علم الكتابة : من الآثار الفريدة في اللّغة العربيّة التي اثبت فيها التوحيدي بحكم مهنته الوراقة التي زاولها سعة اطّلاعه ومعرفته بالخطوط وأنواعها ودقائق صنعة الخطّ. رسالة الحياة : رسالة فلسفيّة صوفيّة في موضوع مستقلّ على شاكلة أبحاث كتاب المقابسات
أبو حيان علي بن محمد بن العباس التوحيدي البغدادي، فيلسوف متصوف، وأديب بارع، من أعلام القرن الرابع الهجري، عاش أكثر أيامه في بغداد وإليها ينسب، وقد امتاز بسعة الثقافة وحدة الذكاء وجمال الأسلوب، كما امتازت مؤلفاته بتنوع المادة، وغزارة المحتوى؛ فضلا عما تضمنته من نوادر وإشارات تكشف بجلاء عن الأوضاع الفكرية والاجتماعية والسياسية للحقبة التي عاشها، وهي بعد ذلك مشحونة بآراء المؤلف حول رجال عصره من سياسيين ومفكرين وكتاب، وجدير بالذكر أن ما وصلنا من معلومات عن حياة التوحيدي بشقيها الشخصي والعام- قليل ومضطرب، وأن الأمر لا يعدو أن يكون ظنا وترجيحا؛ أما اليقين فلا يكاد يتجاوز ما ذكره أبو حيان بنفسه عن نفسه في كتبه ورسائله، ولعل هذا راجع إلى تجاهل أدباء عصر التوحيدي ومؤرخيه له؛ ذلك الموقف الذي تعّجب منه ياقوت الحموي في معجمه الشهير معجم الأدباء (كتاب) مما حدا بالحموي إلى التقاط شذرات من مما ورد في كتب التوحيدي عرضا عن نفسه وتضمينها في ترجمة شغلت عدة صفحات من معجمه ذاك، كما لّقبه بشيخ الصوفية وفيلسوف الأدباء؛ كنوع من رد الاعتبار لهذا العالم الفذ ولو بصورة غير مباشرة.
ثلاث رسائل لابي حيان في الخط والكتابة والنفس والحياة اضف الى رسالة السقيفة رسالته في الخط وفنونه وانواعه وعن الخطاطين وهم يتبارون ويتباهون ويتفاخرون وعن القلم وبريه وتميز الخطوط وعن اشتهار اهل العراق بالخط جميلة جداً وقيمة وهي أكثر ما اعجبتني في الرسائل ونقله مقولات مختلفة وجميلة عن القلم وميزته وفوائده منها قول ابن التؤام اذ قال "خط القلم يقرأ بكل مكان وفي كل زمان ويترجم بكل لسان ولفظ اللسان لا يجاوز الاذان ولا يعم الناس بالبيان ولولا الكتاب لاختلف اخبار الحاطين وانقطعت انباء الغابرين وانما اللسان للشهاد لك والقلم للغائب عنك وللماضي والغابر بعدك مضار نفعه اعم والدواوين اليه افقر ولولا الكتاب لما استقر التدبير ولا استقامت الامور"
قول اسماعيل بن صبيح الثقفي "عقول الرجال تحت اسنان اقلامها"
بنور الخط تبصر الحكمة وبرفق القلم تصور السياسة
الخط حلى تصوغه اليد من بئر العقل وقصب شوكه القلم بسلك الحذق
ما اثرته الاقلام لم تطمع في دروسه الايام
وسالته الثالثة جاءت عن الحياه وتصنيفه لها لعشرة مراتب 8 صفات يتباين بها الانسان ويتدرجون بها من حس وحركة وعلم وبصيرة وعمل وكدح وخلق وسجيه وتدين وسكينه وظن وتوهم وكما وذكر وحب العاقبة واقتباسه لمقولات قيلت عن الحياة والنفس
ابو حيان كان كثير الشكوى من الزمان والناس اقتبس له قوله من رسالته في الحياة
"نحن مكانيون زمانيون خياليون وهميون ظنيون منقسمون مما كان ويكون حريون بالجهل جديرون بالنقص ندرك بعض ما ندرك اذا صفت طينتنا وزال عنا تقسمنا وفارقنا وهمنا وزال حسناً وعلا زماننا الى دهرنا وعطف علينا العقل بشعاعه واودعنا ما هو من جواهره ودرره"
1-بعد كل الكلام الذي قرأته عن رسالة السقيفة وسمعته وعلق بذهني منه وتمثله عقلي من آراء الدارسين لتراث أبي حيان، فإنني أقول بلا تطويل أنها جاءت دون ما في النفس من حسبان. سبرتها فوجدتها قصة قصيرة سبك فصولها سبكاً وحاك خطبها حياكة أبو حيان، على طريقته المعروفة في كتبه من البيان المفلق ذي السجع المشرق واللفظ المونق، فلا داعي لحشو القول بأنها من تزويره وتزويقه. ولعمري قد بالغ في إظهار ضعف علي رضي الله عنه، وصوره كإنسان في الغاية من العجز والمداراة، وقصّر معه فلم يقل على لسانه مثل الذي قاله على لسان الشيخين رضي الله عنهما، ولعله تعمد التقصير للغرض الذي كتب الرسالة له. وابن أبي الحديد (وهو ممن يتشيع) يقول عن تصوير أبي حيان لتلك الأحداث: إنه صورة ما جرت عليه حال القوم، فهم وإن لم ينطقوا به بلسان المقال، فقد نطقوا به بلسان الحال.
2-أما رسالة علم الكتابة فطريفة الموضوع، قريبة الأسلوب، ظاهر فيها حذق كاتبها وخبرته في الباب، وهي أثر فريد في غاية النفاسة. لاحظت أن أسماء الخطوط تختلف عن تلك التي في زماننا، وفهمت أن بري الأقلام كان بسكين لهذا الغرض لا بالبَرَّاية، واغتممت بعد قراءتها على هذا العالَم الجميل الذي يختفي في عصرنا مع الكتابة الرقمية. :)
3-وأما رسالة الحياة فعندي من أجمل ما كتب أبو حيان متفلسفاً، لم تكن وعرة التراكيب ثقيلة الألفاظ كبعض الكلام الفلسفي الذي جاء في الإمتاع والمؤانسة، بل كانت كلاماً عذباً يتصبب حكمة ووقاراً.
وهي فصلان: الأول -وهو أجمل الفصلين-في الحيوات المختلفة التي يحياها الإنسان، ولا جرم أنه تقسيم لطيف بأسلوب قوي رائع، لكني أظن نصيبه قليلاً من الحقيقة الشرعية والعلمية(أعني علم الأحياء مثلاً)ولا يُلام أبو حيان عليه فهو تقسيم مستمد من ثقافة عصره وعلومه. والثاني فصل في المختارات الفلسفية، يقف أبو حيان عندها فيتأمل ويضيف ويأخذ ويعطي، وفي آخره كلام رقيق في الزهد على لسان أبي سليمان المنطقي، حري بالقارئ أن يتفكر فيه ويعتبر به.
أما رسالة السقيفة فالحديث عن صحتها أو بطلانها مجال آخر ولكنها كنص أدبي من أعظم ما يقرأ وفائدتها عظيمة في تصوير رأي النخبة التي ينتمي لها أبو حيّان في الخلافة والسياسة وأسس الحكم
ابوحيان صاحب قلم سيال و مخيلة خصبة و ثقافة عالية و اطلاع واسع و اسلوب راقي و لغة عذابة لا يشوبها تكلف ولا تصنع وإن كان الحال كذلك فلا يمكن الا الاستمتاع بما سطره قلمه و خطته يداه ،أما ماخص الرسالة الاولي و هي الموسومة برسالة السقيفة فالواضح أنها موضوعة و من خيال التوحيدي و يمكن ان تفهم في ظروف عصرها السياسية والايديولوجية حيث الصراعات السياسية و المذهبية بين السنة والشيعة و الشقاق الداخلي بين العباسيين والعلويين فيما بينهم وضدا علي خصهم المهزوم اعني دولة بني امية إلا أن هذه المعطيات قد تجعلك تفهم ظروف الرسالة ولكنها لا تبرر للتوحيدي الاختلاق و الوضع علي لسان أعلام الامة مع أن للحقيقة فإن كانت الديباجة والصياغة للتوحيدي مع ما لازمها من زيادات فإن للحادثة أصل قد ذكر في بعض المصادر التي لا يعول عليها والتي كتبت في زمن كانت تختلق فيه الاخبار لتبرير و تدعيم شرعية كل طرف مقابل باقي الاطراف حتي وصل الحال لظهور الاحاديث المكذوبة علي النبي فما بالك بمثل هذه الرسالة
لم يُنصف أبو حيّان فيما قال بل يُعد ما قاله قدحًا وجُرْمًا في حق أشرف الخلق بعد المصطفى صلى الله عليه وسلّم في رسالته الّتي رواها بين أبي عبيدة وعمر وأبي بكر وعليّ رضي الله عنهم وأرضاهم حيث جائت فيها ألفاظٌ غليظةٌ شديدة باعثة عن سقم في الفهم أو غيره؛ لا أدري بحق ولكنّي لم أستسغ ما قاله بالمرّة وقد بعثني هذا في النظر إلى ترجمة أبي حيّان فوجدت فيها ما دلّ على ذلك في سير الأعلام وغيره ولم يسلم من القدح فيه إلّا نفرٌ قليل من أجلّاء السلف الصالح .. فماذا تفيد البلاغة وجزالة الألفاظ إذا قدحت في أشرف الخلق بعد المصطفى صلوات ربي وتسليماته عليه!!.
ثانيًا: رسالة الكتابة.. إستفدتُ منها بما نقله عن الكتابة وأرثها وقدرها من السابقين وهو نقلٌ جيّد وُفّق فيه.
ثالثًا: رسالة الحياة..
أنصح القارئ إن أراد أنْ يقرأها أن يقرأ الصفحات الأخير منها إبتداءً من الصفحة 85 .. وما عدا ذلك فهي نُقُولات عن فلاسفة اليونان لم أزدردها بالمرّة فضلًا عن لهجتها الصّعبة جدًا حتى تحتاج إلى قاموس فضلًا عن شارح لهذه الرسالة ولا أعلم إن تجمّع القاموس والشارح فهل سيستفيد منها المتلقي أم لا !!؟
يظلّ بلا تقييم لهذه اللهجة غير المناسبة بالمرّة في حق الصحابة رضوان الله عليهم!
الكتاب يقع في ثمانين صفحة، فيه ثلاث رسائل لأبي حيان التوحيدي. هذه أول قراءة منتظمة له، لم تسبقها غير اقتباسات هنا وهناك. وجدت بأن أسلوبه يحتاج لتركيز ولا يهب قارئه معناه دون إصغاء.
الذي أعجبني: - بشكل عام، بعض عباراته لامعة يجتمع فيها ذكاء المعنى وحسن المبنى. - الرسالة الثانية في الكتابة بصرّتني بأهمية الخط البالغة في زمانه، وهذا أمر لم أتصور طبيعته من قبل.