What do you think?
Rate this book


Unknown Binding
إن المرأة هي التي دفعت، من نفسها ومن دمها، ثمن الحملة على العبادات القديمة – هذه الحملة التي هي قوام العالم المتمدِّن. أنا على يقين، أيها السادة، أن العالم القديم عرف، خلال آلاف السنين، خبرة روحية رفيعة تحدَّرتْ إليه من ليل الدهور – خبرة مكرسة لإله الطبيعة الأقرن بواسطة المبدأ المؤنث. وإني لأكاد أجزم أن هذه الروحانية الأصيلة قد اكتسحها، بالنار والحديد والدم، ربٌّ غاضب، منتقم جبار، ينتصر لأمة على أمة، ويعادي كلَّ من لا يؤمن به! أما الإله الأقرن، إله الخصوبة والتجدد، فقد أمسى في نظر الناس شيطانًا رجيمًا، لا مناص من محاربة أوثانه، ومعها من تمثِّل له هذه الأوثان: المرأة الأم، المرأة الإلهة، المرأة الأنثى، المرأة الحق. ويحدثوننا اليوم عن شرور الاستعمار الحديث، عن إبادة الهنود الحمر، عن محو الثقافات الأفريقية؛ يحدثوننا عن أصنامنا القديمة المحطمة، عن إلهنا الذي امتُهنَ وأُذِلَّ، عن كاهناتنا اللائي قضين مدافعات عن حياتهن، عن أنثانا التي نُفِيَتْ. آه، أيها السادة، ماذا يسعني أن أقول؟! لقد استبيحت نفوسُنا، واغتُصِبَت الأنثى الساكنة فيها، ونحن واقفون مكتوفي الأيدي لا نحرك ساكنًا.
ما تاريخ الربِّ الذي نتعبد له اليوم إلا تاريخ حرب شنَّها أتباعُه على العبادات القديمة قِدَم الإنسان نفسه، المتجذِّرة في أعماقنا – تاريخ جريمة اقتُرِفَتْ في حقِّ الجنس المؤنث بأسره. لقد سلَّمنا نصفنا خانعين، أيها السادة، حتى سيق إلى الذبح. لست أتهم أحدًا. فلعل هذه المذبحة الأسطورية كانت محتمة، وربما ضرورية من بعض الوجوه. فما كان للمدنية أن تصير إلى ما آلت إليه لو كانت المرأة الحق ما تزال موجودة، ولكُنَّا ما نزال نؤمن بالفردوس على الأرض. لو كانت المرأة الحق ما تزال حية في قلوبنا لما كنَّا شققنا دروبًا جديدة، ولما كنا اليوم على وشك ارتياد المجرَّات القصية، ولما كنا استطعنا فتح كوى صغيرة في الكون، يتسرَّب منها اليوم نداءُ الإله الأخير الذي سوف تنصهر في بوتقته آلهتُنا كلُّها، ويغور فيه يومًا روحُ الكوكب نفسه وقد أدى رسالته الكونية.
ليس المهم ما نترقَّب، بل الموقع الذي نتَّخذه في أنفسنا للمراقبة
تسألونني عن هذا "الموقع"؟! الدلائل كلُّها تشير إلى أن فينا، في أعماقنا، غور سحيق نكفُّ فيه عن النظر إلى الحياة والموت، إلى الماضي والآتي، إلى الجسد والروح، كمتناقضات.
أين هي المرأة الحق، الكاهنة، معلِّمة أسرار الخصب والحياة، داكِكَة العروش، مروِّضة أعتى الرجال، الممسكة بأعنَّة الأيام والليالي. أين هي؟! هذه المرأة، حيثما وُجِدت، آخَتْ بين الحياة والموت، بين الجسد والروح، بين الظلمة والنور. لكن، أين هي؟!
لكنْ، إذا اتفق لكم أن تواجهوا هذه المرأة يومًا لن أنحو عليكم باللائمة إذا لذتم أمامها بالفرار، لأنها مهيبة في جمالها إذا أحبَّتْ، رهيبة في جلالها إذا غضبت. أما حُرمتُها فويل لمن ينتهكها، وأما رحمتها فلا حدَّ لها. لكن، أين هي؟ أين؟!
مازلنا أطفالاً يتعلمون السباحة مستعينين بدولاب هوائي، ويجدون في ذلك لذة ما بعدها لذة! أما إذا شئنا أن نشرع بالغوص في غورنا السحيق فلا بدَّ لنا أن نستغني عن الدولاب. وحدها المرأة الحق تستطيع مرافقتنا في رحلتنا تلك، فتعطينا من وزنها ما يهوِّن علينا ذلك الغوص. أما مَن تواضَعْنا على تسميتها "امرأة" فلا تُحْسِن سوى النفخ في دواليب الهواء!
لا، أيها السادة، ما من حبٍّ مع نسخة المرأة هذه – من قبيل اللهو كان أم مخلصًا – في وسعه أن يكون لنا دافعًا إلى الكمال. ليس في وسع مثل هذا الحب أن يثمر غير العطالة والبلادة والسأم، فيحول دون زهرة النفس، التي هي جوهرها الإلهي، والتفتحَ على رحابة الوجود وأمدائه اللانهائية.
المرأة الحق – تلك التي تقدم علينا من أعماق الدهور – تنتمي بكلِّيتها إلى عالم غريب عن عالم الرجل. إنها المشعَّة في الطرف الآخر من الخليقة؛ إنها "الآخر" بامتياز؛ إنها الواقفة على أسرار الماء، والحجر، والنبات، والحيوان؛ إنها المحدِّقة في الشمس في رابعة النهار، والرائية بجلاء في ديجور الليل؛ إنها المؤتَمنة على مفاتيح الصحة، والراحة، والمسارَرة بألحان المادة؛ إنها الضالعة بالسحر الحلال – الجنية ذات الكشحين الرطبين، والعينين الشفافتين، التي تنتظر الرجل لتعود به إلى الفردوس الأرضي. إذا بذلتْ نفسَها له، ففي رعشة من الذعر المقدس، فاتحةً له، في ظلمة بطنها الدافئ، باب عالم آخر. إنها نبع الفضيلة، لأن الشوق الذي تُلهِمه يستهلك الشهوة إليها. عناقها طهارة، والغوص فيها عفَّة، والانطلاق في رحابها انعتاق. إنها العاقر لأنها توقف دورة الزمن، أو لأنها بالحري هي التي تُخصِب الرجل، تلده من جديد، وتغرس فيه طفولة العالم. إنها تكرِّس فيه عمل الرجال، ألا وهو الاستغراق أعمق فأعمق في غياهب كيانه الداخلي، فتجعل منه أكثر من رجل، لا بل أكثر من بشريٍّ! أما هي فحسبها أن تحيا لكي تمتلئ بغبطة الوجود. ولا مفرَّ للرجل من اجتياز امتحانها لكي يكون حقيقًا برجولته – لا بل بإنسانيته – اللهم إلا أن يختار طريقًا أخرى، لا بدَّ له فيها أن يلتقي المرأة في صور رمزية.
كلا، ليس للرجل من المرأة مهرب. كان العارفون يدعونها "امرأة الرجل الحق" و"أخت الرجال"، ويسمون ماءها "ندى النور"! أما المرأة الأخرى، الموفورة العدد، فيسمونها "امرأة المرأة"، أي المرأة المتحدِّرة من المرأة، ويصفونها باليبوسة وبالخلوِّ من الروح – كما هي حقًّا.
إن اكتشاف المرأة الحق، أيها السادة، عطية، وتمالُك النفس أمامها نعمة؛ أما الاتحاد بها فيحتاج إلى مَدَدٍ من الإله. "كلما رأيتُ على الأرض – يقول على لسان روح عليا أمْلتْ بدورها على أحدهم ما أملت – حبًّا ينمو فوق الأخيلة، أُظلِّله بيديَّ هاتين كأغصان حامية، لأني أنا الشجرة الخضراء أبدًا."
أي لقاء خارق هو اللقاء بالمرأة الحق! إنها تظهر، على حين غرة، وسط قطيع أشباه النساء، والرجل المصطفى الذي يبصرها يأخذ بالارتعاش شوقًا ورهبة. كفاه لهوًا مع نفسه؛ آن له أن يثوب إلى رشده ويبلغ أشُدَّه.
يلوح لي أنه يصعب على غير الشاعر الحق – الشاعر، لا بما يكتب، بل بما يحيا – أن يواجه إحدى الناجيات من جنس النساء الحق. وتتعين ههنا معرفةُ أي نور، أي عطر، أي موج يعبق به شعر الحياة، وكيف يفتش هذا النور، هذا العطر، هذا الموج، عن المرأة الحق – ذلك التنين المفترس – ويقود خطاها إلى خيمة الشاعر حتى يتمِّم معها، وبها، سرَّ الحياة.
فإذا كنَّا، أيها السادة، نريد أن نمضي باتجاه كمالنا بدون أن نزهد في الجسد، لا مندوحة لنا من لقاء التنين. وعلينا بالحري أن نعلم تمام العلم أن لا شيء ننتظره من النساء الأخريات: فأجملهن، وأعذبهن، وأشدهن إخلاصًا واتِّقادًا، لا تستطيع أن تعطي إلا مما عندها – وليس عندها إلا طبيعتنا العادية!
وحدها المرأة الحق تلهم حبًّا يكاد يكون مفترسًا، يصيب بالذعر، لأن الرجل الذي يلتقيها يجد نفسه، فجأة، في غمرة لُجَّة لم يَخُضْ فيها من قبل. يلوح له أن الأرض بأسرها تتحول إلى مهرجان من السحر، ويستشعر أنه مُقْبِل على تحول جذري، وأنه موعود بالخلود. ما يحياه ينغرس في آنةٍ يلتقي فيها الأزل بالأبد. وإذ يتغمَّده عَبَقُ الغابات الندية، ويغوص في رَحِم تلك المرأة كما في ليل أعماق البحر، تتراءى له آلاف الإشارات التي غفل عنها حتى ئذٍ. ثملاً وبصيرًا يغدو، مخطوفًا من ذاته، وشاعرًا، في الوقت نفسه، أنه وجد أخيرًا من يفهم أعماقه ويقبله على ما هو. ملتهبًا بشوق لا اسم له، ومنتعشًا مع ذلك؛ متخفِّفًا من أوزار حياته، ومتطهرًا من أوضارها – تلكم، أيها السادة، حال المسافر الأرضي الذي يتوقف التنين ويزور خيمته ذات مساء، قبل أن يرحل إلى غير ما رجعة.
في عينيها الثاقبتين، الساذجتين، يفتش الرجل عن صورته الإلهية – هو الذي لم يكن يقع في نظرة النساء الأخريات إلا على انعكاس وجهه.
ويستيقظ المسافر تحت خيمته ذات صباح، ليجد نفسه بمفرده في عالم بارد، لا رحمة فيه ولا غفران. لقد تمَّ كلُّ شيء، أيها السادة. آن للشاعر أن يكتشف، للمرة الأولى، مرارة الوحدة المطلقة. هو ذا الآن مستعد للسير على الدرب الأوحد المفتوح أمامه – الدرب الذي يخترق فلواتٍ شاسعات، قبل أن يبلغ به سفح طوده الجَوَّاني.
ألا ما أشد الرجال الذين التقوا المرأة الحق، ثم رأوها تختفي من أمام أنظارهم كأنها لم تكن، فدخلوا عندئذٍ في يأس الغربة العظمى، ووجدوا أنفسهم عراة، بل أشد عريًا منهم ساعة ولدوا، ولا خيار لهم سوى الموت أو النمو، أو بالحري، لا خيار سوى الموت والنمو – واختاروا!
غاية أعمالنا ومساعينا، أيها السادة، إنما هي استقطار الوجود حقيقتَه، بتدريب الإنسان على إيقاظ ملكات غافية في أعماقه؛ ملكات تفتح له باب ولوج حالات من الوعي رفيعة؛ حالات تحدث عنها الحكماء الأقدمون بوصفها ذكرى وموعدًا. وهذه المساعي تتطلب ذائقة باطنية صحيحة، وإخلاصًا للحقيقة غير مقيَّد، كما ومواهب روحية استثنائية، أهمها نقاوة القلب، والتضحية بالنفس، والزهد بالأمجاد الدنيوية. هذه عينها، إلى حدٍّ كبير، غاية الإشراق العقلي ووسيلته في آن معًا. ونشدان هذه الغاية، وقد أضحى حتميًّا في زماننا هذا، يشي بتفاهة – إن لم نقل بضرر – مخالطة الكائن الذي أطلقنا عليه خطأً اسم "المرأة".
أستحلفكم، أيها السادة، بالإله ألا تبدِّدوا طاقاتكم فيما لا طائل فيه، وأن تباشِروا الساعة البحثَ عن التنين المقدس وتستعدوا للألم الماحق.
عزيزة هي المرأة، أيها السادة؛ عزيزة هي تباركت.
تباركت، لأنها تحيل مشهدَنا الداخلي صحراءَ قاحلة. بينما المرأة الأخرى، العديدة، تضاعف هذا المشهد، تعقِّده تعقيدًا لذيذًا، تحوِّله إلى رياض غنَّاء، تضمِّخه بالعطور والأفاوية، وتُبقينا مشدوهين، حالمين – إنما مشلولين.
بيد أن ثمة، في هذه الرياض، متاهات.
وثمة، في الصحراء، طريق تقودنا إلى ذروتنا.
هه... أيها السادة!
لقد قلت ما عندي... فعودوا إلى سباتكم!