في سيرتهِ الذاتية، يكتبُ الأديب الكبير كامل المقهور حكايات محلّة الظهرة وحياتهُ داخل فصول طويلة بعضها وقصير بعضها الأخر، معرّيًا في معظمها مشاهداتهِ للواقع المحلّي والشعبي بأسلوب بسيط خالٍ من اللعبة اللغوية، وسردٌ مشوّق خالي من الرمزية. الكتاب الذي جاء تحتَ عنوان "محطات – سيرة شبه ذاتية"، والواقع في 335 صفحة من الحجم المتوسّط، يتحدّث المقهور فيه حولَ طفولته وشبابه في محلّة الظهرة والمدينة القديمة ثمّ سفره إلى مصر وعودتهِ بعدَ ذلكَ إلى طرابلس، متماشيًا بالسرد بشكلٍ متسلسل ومحاولاً قدرَ الامكان المحافظة على ترتيب سيرتهِ دونَ الخوض في أي أحكام شخصية أو أراء حولَ ما مرّ بهِ في تجربتهِ في الحياة، وخاصةً في الفترة الأولى في صباه، حينَ كانَ يراقب تلكَ الحكايات ويحكيها من بعيد. الكتاب مليءٌ بالشخصيات الشعبية التي كانت تقيمُ في مدينة طرابلس في يومٍ من الأيام، خاصةً اليهود والطليان بمحلّاتهم ودكاكينهم وحاناتهم. بالاضافة إلى تشريح لعلاقة العرب باليهود والطليان في مواقف ظريفة وأقربُ منها إلى طابع النكتة. ومن بينِ تلكَ الشخصيات التي عرضها في الفصول الأولى في محلّة الظهرة، كانَ "مرسال" المجنون، والذي يقالُ أنّهُ كانَ متزوّجًا من جنّيةٍ في أدغالٍ أو حدائقَ موحشة، ويقضي معظمَ نهارهِ في احتساء كؤوس الكحول في حانات منطقة الظهرة وأكل اللحم والسمك. مرسال في كتاب المقهور هو ذاتهُ الذي كتبَ عنهُ الأديب علي مصطفى المصراتي قصّة قصيرة وضعها في مجموعة بذاتِ الإسم "مرسال". وبنشرِ المقهور لسيرته، فإنّهُ يقومُ بالتصديق على هذهِ الشخصية الغريبة التي كانت تثير الرعب في قلوب الأطفال والتساءل في عقول الكبار. كما أنّ المقهور قد تطرّق في سيرتهِ إلى وظيفة العلم في فترة ما من تاريخ مدينة طرابلس، ومعنى التسلّح بالعلم والكلمة، مبتدأً بذلكَ من مدرستهِ الإيطالية بطرابلس، وحتى سفرهِ للقاهرة وبدئهِ في نشر القصص القصيرة في الصحف والجرائد المصرية، ثمّ عودتهِ إلى طرابلس وما تغيّر فيها منذُ أن تركها. يلاحظ أيضًا أنّ الكاتب قد حاولَ المقارنة بينَ طرابلس والقاهرة في الفترة التي ذهبَ فيها للدراسة في مصر. كما أنّهُ يُعتبر كتاب صادم، خاصةً في الفترة التي صدرَ فيها، حيثُ أنّ الكاتب تناولَ طرح فكرة كتابهِ وسيرته بطريقة سلسة بعيدةً عن أي نوعٍ من الوقار الذي كانَ يكبّل كتّاب القرن الماضي في داخل كتاباتهم الابداعية. كما أنّ الدين حاضرًا بقوّة في الكتاب كما هو الحال في المجتمع الليبي، فيسرد المقهور حكاياتهِ حولَ ما أنتجهُ الدين في عقول الفقهاء والشيوخ وعامة الناس، وكيفَ كانَ الدين يتحكّم بتصرفات الكثير من الناس في دولة باتت متعدّدة الأديان والأعراق. محطّات كتاب جرئ في طرحهِ للظواهر الاجتماعية، وخاصة المرأة في المجتمع الليبي وقتذاكَ، حيثُ كانت مقسّمةً بين شكليات المرأة العربية واليهودية والإيطالية ونظرة كل واحدة منهنّ للأخرى. كذلكَ مشاهدات ووصف الكاتب لبنات الجيران والحبّ البرئ المتوقّف على الوصف والحلم وتناغم الجمال.
كامل حسن المقهور (1935 – 2002) كاتب وقاص ليبي وأمين (وزير) نفط أسبق ومستشار قانوني وديبلوماسي راحل.
ولد في 1935 بمحلة الظهرة بمدينة طرابلس من أسرة ميسورة الحال، أتم كامل المقهور دراسته الابتدائية في مدرسة المحلة "مدرسة الظهرة" بمدينة طرابلس، سافر كامل المقهور صبياً يافعاً إلى القاهرة، وسرعان ما بدأ يكتب القصص القصيرة التي لاقت طريقها إلى النشر في مجلات القاهرة الأدبية.
كان المقهور متميزاً بين أقرانه في مدرسة بنبا قادن الثانوية فكان ترتيبه الأول، وكان أستاذه الجزائري الأصل يرى فيه نبوغ المغرب العربي في مشرقه.
شق كامل المقهور طريقه واثقاً إلى كلية الحقوق التي أختارها والده ولم يخترها هو.. إذ كان يحلم بأن يكون مهندساً معمارياً.
وبحصوله على درجة الليسانس في الحقوق في عام 1957، سافر بعد ذلك مع زملاء له إلى باريس في دورة دراسية، إلا أنه وبناء على نصيحة أستاذه الفرنسي الذي قال له أن بلاده الفتية بحاجة إليه والى أمثاله للنهوض بها في تلك الفترة، عاد إلى بلده.
إصداراته
14 قصة من مدينتي. (مجموعة قصص) الأمس المشنوق. (مجموعة قصص) هيمنة القرون الأربعة. (مقالات) محطات (سيرة شبه ذاتية) حكايات من المدينة البيضاء ،(مجموعة قصص) عن الثقافة وهموم الناس. (منوعات) يا سمي صبي المي (مجموعة قصصية) نصوص (مقالات)