هذا الكتاب من سلسلة رواد الأجيال هو لمحات من بطولة الشهيد عبد المنعم رياض تسجل لشبابنا وقفات من سيرته العطرة وعسكريته الشجاعة من زوايا التعريف بحقائق ومقومات:أبعاد شخصية عبد المنعم رياض فكره ومفهومه للقيادة صفحات من نضاله في حرب فلسطين، مواجهة العدوان الثلاثي سنة 1956 وقيادته للجبهة الأردنية تعيينه قائدا للقيادة العربية الموحدة ورئيسا لأركان القوات المسلحة المصرية وبطولات حرب الآستنزاف ملحمة خط بارليف واستشهاده رحمه الله
يجذبني المنبه من شعري في ساعات الصباح الأولى لأجل اللحاق بباص العمل ..فإن أخرسته بالمقابل كان هذا يعني يوماً عصيبا في المواصلات...وكان الأمس أحد هذه الأيام التي يتجدد فيها اكتشافي لأحد خصالي المريضة حيث أفرش في أذنيّ بساطا أحمر لكل سباب المارة بالشوارع والسائقين في الطرقات.. حقاً لا أفهم كيف تبدو لي قذارة اللفظ حينها و كأن أحدهم يهمس لي باسماً : (لست وحدك من صفعه هذا النهار) ...لو كان السباب مخلوقاً فكيف سيبدو ؟؟ أسلي نفسي بالفكرة وأنا أسرع الخطو باتجاه موقف المواصلات أتخيله دميم الوجه نتن الرائحة لكنه يكشف صدره لطعنات الغاضبين متطوعاً فيتبعثر الدم الخبيث على وجه الشاتم ويبقي ظهره للمشتوم ...ألا يجعله ذلك بطلا إذن ؟؟ ...يقطع تفاهة أفكاري صوت خرطوم المياه المندفع صوب تمثال عبد المنعم رياض من عامل النظافة في حدث غير اعتيادي بشوارع القاهرة ..يغمس أحد المراهقين وجه صديقه باتجاه المياه في هذا البرد يسأله بلهجة المحقق لاهيا : ((انطق تعرف ايه عن عبد المنعم رياض؟؟)) يرد الآخر : (( دا الشهيد يا تيت يا ابن التيت)) .. الشهيد ...وكأن هذا يكفي!! لمن قدر له ألا يعرف شيئا عن تاريخ بلاده وسيرة أبطاله ستكون 50 صفحة من القطع الصغير هي محتوى هذا الكتيب الذي أضيفه هنا بداية لا بأس بها!! اعتمد المؤلف فيها طريقة السرد المختصر لأبرز الأحداث في حياة الشهيد عبد المنعم رياض.وأحب أن أكتب ما استوقفني منها:
- ((كان للطالب عبد المنعم رياض نشاطه الطلابي فقد كان مندوبا لمدرسة الخديوي اسماعيل الثانوية في اللجنة التنفيذية لطلاب المدارس الثانوية ، وهي اللجنة التي كانت تضم وقتذاك الطالب (جمال عبد الناصر ) عن مدرسة النهضة الثانوية وهي التي نظمت وقادت المظاهرات الطلابية و كان أشهرها المظاهرة الضخمة التي تصدى لها قوات المستعمر البريطاني وأطلقوا رصاصهم الغادر ضد شباب مصر عند كوبري عباس ، وكان من بينهم الطالب الشهيد (عبد الحكيم الجراحي) الطالب بكلية الآداب جامعة القاهرة )) تمنيت حينها ساعة من حديث مع والدة عبد المنعم رياض وجمال عبد الناصر .. لأعلم فقط كيف تتحدث امرأة تستطيع أن تربي ابناء لهم مثل هذه الإهتمامات على رغم حداثة سنهم .. ولكني بالرغم من ذلك متأكدة أنها ليست من ذلك النوع الذي ينحصر حديثه للآخرين في دائرة (حياتي وحشتيني يا جميلة ...زي القمر والله ..ما بترديش يا وحشة على نمرتي ..أنا كنت هاموت وأطمن عليكي ) وتعلم أنه لو سقطت قذيفة على رأس محدثتها فلن يمنعها ذلك من تناول عشائها لتلك الليلة .!!..
- ((كانت دفعة اكتوبر 1936 للالتحاق بالكلية الحربية وتم قبول 52 طالبا منهم (عبد المنعم رياض ، حسين الشافعي ، أنور السادات ، جمال سالم ، يوسف السباعي وغيرهم ) أما جمال عبد الناصر فقد رفضت اللجنة قبوله لاعترافه بأنه كان من قيادات المظاهرات الطلابية)) كان يعتقد أن اعترافه سيكون بمثابة شهادة وطنية تسهل له الالتحاق بالحربية فاضطر للالتحاق بكلية الحقوق عدة أشهر ثم تقدم مرة أخرى فتم قبوله....أتخيل أنه قبل هذه الأشهر شعر أنه الأخير بين أقرانه لم يكن يعلم أن الله كتب له أن سيكون الأول من بينهم يوما ما .
- بعد دراسة عبد المنعم رياض في بريطانيا والاتحاد السوفيتي وترقيته لرتبة فريق شارك في حرب فلسطين بالرغم من ترديده الدائم (( أن الدول العربية غيرقادرة حتى الآن (1960) على مواجهة اسرائيل ، وفي البداية لابد من صداقة سياسية تربط بين الدول العربية كلها وأن تدعم الدول العربية القادرة اقتصاديا الدول التي لم تستكمل بعد استعداداتها العسكرية خصوصا دول المواجهة )) شهد الجميع من حوله بعد ذلك أن كان يحارب وكأنه موقنا بالنصر بالرغم من انه كان دوما مرجحا للهزيمة وتكرر إيمانه هذا في نكسة 67 حيث صرح قائلا : ((لقد كان لدينا جيش ولم يكن لدينا قيادة على الإطلاق ، وماذا يفعل أي جيش إذا فقد رأسه ؟؟)) ... ظني أن هذا سبيل من يرى أن الحرب ليست أمرا يجادل فيه فهي ليست اختيارا للرجل المسلم ...هي مصيره .
- تستطيع أن تقول أنه رحمه الله منذ عيّن رئيسا لأركان القوات المسلحة ، أنه أعاد هيكلتها بعدة قرارات أصدرها كان أكثر ما أعجبني منها انه أول من استحدث تجنيد حملة المؤهلات العليا والمتوسطة لأنه يرى كما قال : ((أن الجندي المتعلم يستخدم سلاحه استخداما صحيحا ويصونه ويتحد معه ولا يستغرق فترة تدريبه ربع المدة اللازمة لتجنيد الآخرين )).
- كان يقول : ((إذا حاربنا حرب القادة في المكاتب بالقاهرة فالهزيمة محققة ، إن مكان القادة الصحيح وسط جنودهم ، وأقرب إلى المقدمة منهم إلى المؤخرة ))
- كان يقول (( أرى أنه لا فائدة من أي قرار مهما كان سليما إذا جاء بعد الوقت المناسب له خمس دقائق لأن الموقف الذي يواجهه يكون قد تغير فالمعركة لا تنتظر أحدا ))
- تبهرني أحيانا سينمائية أقدار الله ...في أن تصله أخبار تحطيم 60% من خط بارليف يوم 8 مارس 1969 فيصر على السفرفي اليوم التالي للاحتفال وسط تلاميذه وجنوده و يصافحهم ويعانقهم واحدا واحدا فتنفجر إحدى دانات العدو في نفس اليوم بالموقع الذي كان يقيم فيه رحمه الله .. وكأنه كان مسافرا إلى الله ولم يكن يحييهم بل يودعهم ...لم يمت شهيدا فقط بل سعيدا ايضاً ..سبحان المقدر العلي في سماءه.
- استشهد عبد المنعم رياض وله من العمر 50 عاما ..( ولم يتزوج قط) فترك عقلي كل ما فات من حرب وبطولات ولم يستوقفه إلا هذه النقطة و ظللت أبحث بجد في المساء بكل المواقع التي تحدثت عنه عن سبب لذلك فلم أجد شيئا ..ويمر زوجي أمامي فأساله : (انت عارف ان عبد المنعم رياض عمره ما اتجوز؟؟) فيرد سريعا : (صحيح؟؟ مسكين!!) .أيمكن أن يكفيه حب الوطن ليفعل ذلك؟؟..أحدث نفسي وانا أتأمل عينيه الحزينتين في الصورة ..ربما كان عاشقا غابت عنه حبيبته فغاب في المعارك والقتال او ماتت فأراد أن يموت.؟؟... ربما!!.. ولكن الاكيد انه لو تكرر شهودي لغسل جسده الفولاذي يوما آخر .. فأنا إذن الأطول عمرا في هذه البلاد