كتاب ترام القاهرة للكاتب محمد سيد الكيلاني. أعادت هيئة قصور الثقافة نشره عام 2010، بعد طبعته الأولى عام 1968. و الكتاب ينطلق من فكرة طريفة جداً و هي بحثه في أثر دخول الترام في حياة المصريين الثقافية و الإجتماعية و السياسية في نهايات القرن التاسع عشر و بدايات القرن العشرين. و برغم أني ضحكت كثيراً خلال قرءاتي للكتاب، لفت انتباهي أن العديد من القضايا التي أثارها لا تزال مثارة حتى الآن.
فقضية نظافة الشوارع مثلاً، يورد الكتاب نقلاً عن تقرير للورد كرومر عام 1900 بأن " السكان يطرحون فضلات بيوتهم في الشوارع يومياً. فلا يسهل تنظيف الشوارع ما لم يمتنعوا عن ذلك. و يطرح من البيوت يومياً ما يزن 900 طنّا من الفضلات، ترفع منها مصلحة الكنس و الرش 356 طنا كل يوم و خدمة الحمامات 226 طنا، و ما بقى يترك في الشارع". و في الهامش ينقل الكاتب عن جريدة الجمهورية بتاريخ 3-2-1968 أن مساحة المسطحات المطلوب كنسها 32 مليوناً من الأمتار المربعة، منها 24 مليوناً في الأحياء الشعبية. النقص في الإمكانيات يمكن استكماله، أما الوعي بأهمية النظافة و ضرورة المحافظة على الوجه النظيف للعاصمة فهو المشكلة. الشكوى من عدم النظافة سببها عدم الوعي بالنظافة".
و عن المجتمع القاهري ينقل الكتاب عن صحيفة المقطم 19-8-1898 "كلما رأوا سيدة عارضوها في طريقها، و أسمعوها من بذاءة أقوالهم ما يحمر له وجه كل حر خجلاً. و أنكى من ذلك و أشد وقاحة شراؤهم الصور القبيحة و إبرازها أمام كل مخدرة يلتقون بها، فتأخذ تلك المسكينة الرعدة من هذه السفالة". و لا تتوقف المشكلة عند هذا الحد، بل تنشر جريدة المؤيد في 30-10-1906 "بل كان الرجل يمسك من المرأة مكاناً مستوراً و يبوء بالخزي و العار".
و الكتاب ملئ بوقائع الإضرابات المُعالجة أمنياً، و مباريات كرة القدم التي انتهت إلى عركة بسبب إتهام المنهزم بتحيز و محاباة الحكم للفائز. و النقد اللاذع للمسرحيات المليئة بالرقص الماجن الذي يخاطب الشهوات و الغرائز و إتهام الراقصات المصريات بأنهن مومسات. و لوم الصحفيون للسياسيين المكتفين بالشجب و التنديد دون أي عمل سياسي حقيقي.
كتاب ترام القاهرة نقطة من بحر كبير في الكتب التي تناولت تاريخنا الإجتماعي الحديث بالنقد و التي تستحق الحديث عنها. و أعتقد أن معظم قضايانا الممتدة هيّ ليست ظواهر طارئة كما يقرر السطحيون، بل هيّ بالأساس قضايا ثقافية متجذرة في العقل المصري.