الأب لويس شيخو اليسوعي: أديب ومؤرخ ولاهوتي رائد، وأحد أبرز أعلام النهضة العلمية والأدبية في العالم العربي.
وُلِدَ الأب «لويس شيخو» في مدينة «ماردين» التركية في عام ١٨٥٩م لعائلة متدينة تَقِيَّة، وتلقى تعليمه الأوَّلي هناك بتركيا، ثم ارتحل إلى لبنان ليكمل تعليمه الذي أخذ طابعًا دينيًّا، حيث التحق بمدرسة «الآباء اليسوعيين» بمدينة «غزير» بلبنان، ثم انتظم بسلك الرهبنة صغيرًا وهو في الخامسة عشرة وتلقَّب باسم «لويس شيخو» بعد أن كان اسمه قبل الرهبنة «رزق الله يوسف».
سافر إلى فرنسا ليتابع دراسته العليا في مجالي الفلسفة واللاهوت، وكذلك تعلم اليونانية واللاتينية والفرنسية كما تنقل بين إنجلترا وإيطاليا وألمانيا وغيرها من مراكز العلم الأوروبية، حيث اطَّلع على مناهج الغرب البحثية وأساليبهم في البحث والتأليف. كما أخذ ينسخ الكثير من الكتب النادرة التي في خزائنهم ليحملها إلى خزانة الكتب اليسوعية. كما أجاد الإنجليزية أثناء وجوده بإنجلترا. وقد كانت هذه السنوات على الرغم من ترحاله المستمر من أخصب سنواته التثقيفية والتعليمية.
عاد الأب شيخو إلى بيروت بعد رحلة دراسية مثمرة وعُيِّن مدرسًا للأدب العربي بالكلية اليسوعية ببيروت، وسُميت بعد ذلك ﺑ «كلية القديس يوسف». وقد كرس وقته لدراسة التاريخ العربي والإسلامي حيث وضع فيه الكثير من الكتب. كذلك أسس مجلة «المشرق» التي نشر فيها الأبحاث الأدبية والعلمية المتميزة لكبار الأدباء والمفكرين العرب، حتى صارت منارة ثقافية كبرى يتخاطف القراء إصداراتها.
أنشأ الأب شيخو «المكتبة الشرقية» بالجامعة اليسوعية، حيث زودها بالنفائس من المخطوطات النادرة والعديد من الكتب المطبوعة المهمة فكانت مرجعًا مهمًّا يقصدها طلاب العلم والباحثون، كذلك كان من أهم المفهرسين والمحققين للكتب والمخطوطات العربية.
لمس النقاد بعض التحيُّز الطائفي لدي الأب شيخو، ولكن هذا الأمر لا ينكر مجهوداته العظمى التي دفعت بعجلة النهضة العلمية والأدبية للعرب في أوائل القرن العشرين.
تُوُفِّيَ الأب شيخو في عام ١٩٢٧م عن ثمانية وستين عامًا.
رحل لويس شيخو قبل أن يتمه بشكله النهائي، وإنما كان الذي خلفه ورائه مجموعة من القصاصات المختلفة المُدون عليها ما عثر عليه في بطون الكتب المختلفة حول موضوع الكتاب (علماء النصرانية في الإسلام)، فكان إن عثر في كتاب ما على ترجمة أو إشارة لأحد الأطباء أو الفلاسفة أو النقلة المترجمين أو الفلكيين يُفهم منها إن صاحبها مسيحي الديانة سواء بصريح العبارة في الكتاب أو بطبيعة الاسم أو بالدلائل والقرائن، يدونها في قصاصة قصيرة مع بيان اسم الكتاب ورقم الصفحة، ومات قبل إتمام العمل، فقام الأب المحقق كميل حشيمه بفرز القصاصات وحذف المكرر وإضافة المزيد مما وجده خلال رحلات بحثه هو في عوالم الكتب القديمة.
أي أن منهج الكتاب هو الإشارة إلى أسماء العلماء النصارى في كتب التواريخ الإسلامية منذ عام 622 إلى 1300 من ميلاد المسيح، أي منذ بداية ظهور الإسلام تقريبا إلى أواخر العصور العباسية، وتم للويس شيخو وللمحقق كميل حشيمه من بعده العثور على 393 ترجمة لعلماء النصارى مبثوثة في ثنايا الكتب، وهو ما تضمنها هذا الكتاب، وهذا نهج شيخو في مؤلفاته السابقة، مثل:
شعراء النصرانية قبل الإسلام وشعراء النصرانية في الإسلام ووزراء النصرانية وكتّابها في الإسلام والنصرانية وآدابها بين عرب الجاهلية
ومن الطبيعي وهو الأب الراهب أن يشغف بهذه المواضيع، ومادام يشير إلى المصادر دائمًا فلا لوم عليه، وإن كان الدكتور جواد علي في "المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام"، أشار إلى أن شيخو توسّع جدًا دون وازع علمي في ضمّ كثيرًا من الشعراء الجاهليين قبل الإسلام إلى سلك النصرانية وهي منهم براء
النقطة الثانية هي أن النصارى أقلية، وكانوا كذلك في عصور الإسلام (الذهبية) حسب وصف المؤلف في المقدمة، فلهذا الوضع كانوا بمنأى عن الطموح السياسي،
مما سهل لهم التقرّب من الخلفاء والأمراء وأعيان الدولة الذين لم يخشوا منهم الدسائس للإطاحة بهم كما كانوا يخشونها من أبناء ملتهم، وهذه ظاهرة ما زالت قائمة، إذ لا يندر في أيامنا رؤساءُ الدول الإسلامية وعلية قومها الذين يأبون إلا أن يكون أطباؤهم من المسيحين، أضف إلى هذا كله أن إقفال أبواب الحكْم عامّة في وجه النصارى وارتفاع مستواهم الثقافي وما يولّده ذلك من طموح اجتماعي لِمِمّا وجه أنظارهم إلى المهن الحرة التي تتيح لهم النبوغ والبروز، ومن أهمها مزاولة الطب
كما قال الأب المحقق في مقدمة الكتاب، فهدفه إذن هو إبراز إسهام النصارى الكبير في التراث الإسلامي الذهبي!
والملاحظ بالتأكيد من الكلام السابق أن السادة العلماء الأفاضل المذكورين في هذا الكتاب غلبتهم الغالبة كانت على اتصال بالخليفة أو الأمير أو الوزير، وهذا بالتأكيد لأن تدوين التاريخ كان قديمًا خاصًا بكتابة تاريخ الملوك والوقائع، وليس التاريخ الشعبي بمعناه الحديث، فأغلب الكتب اهتمت فقط بمَن اقترب من هالة التيجان، وللخمول سواهم
كان هناك مثلا صيدلانيًا (مسيحيّا بالتأكيد!) غير بارع ولا متمكّن من صنعته، ولكن حدث أن المحظية الفضلى لدي الخليفة شكّت في حملها فأرسلت جاريتها (بمائها) في قارورة ليفحصه صيدلانيّ ما غريب وغير معروف في المدينة ولا يعرفها، فأرسلته الجارية إلى هذا الصيدلاني المتواضع، فلما نظر القارورة قال لها: لمن هذا الماء؟، فأجابت الجارية: لامرأةٍ ضعيفة!، فصاح الصيدلاني فجأة: بل لملكة جليلة عظيمة الشأن، وهي حبلى بملك!
وأخبرت الجارية المحظية بهذا الخبر، ففرحت فرحًا عظيمًا جدًا وقالت للجارية ضعي علامة على دكّانه لنعرفه حتى إذا صحّ قوله اتخذناه طبيبًا لنا، ثم بعد فترة ظهر الحمل، فأرسلت إليه هدايا عظيمة وقالت له: استعن بهذه الهدايا على أمرك، فإن صحّ ما قلته بشأن الولد استصحبناك، فقال الصيدلاني: هذا من عند الله عز وجل، لأنني ما قلته للجارية إلا وقد كان هاجسًا من غير أصل!
ثم لما جاء الولد، وفرح الخليفة به فرحًا شديدًا، أخبرته بقصة الصيدلاني، فاستدعاه وخاطبه، ولم يجد عنده علمًا بالصناعة إلا شيئًا يسيرًا من علم الصيدلة، إلا أنه اتخذه طبيبًا لما جرى منه وأكرمه الإكرام التام!
ويحكي مثلا أن طبيب آخر زار ابن الخليفة وهو مريض، وكان يرفض تناول الطعام حتى هزل، فدخل عليه وحادثه ومازحه، وأثناء الحديث أدخل ابن الخليفة يده في كُمّ جبة الطبيب وقال له: ما أحسن هذا الثوب!، فقال له الطبيب: يا مولاناّ، ما له والله نظير، وثمنه عليّ ألف دينار، كل تفاحتين وخذ الجبة! فتناول التفاحتين، فأعطاه الجبة وقال له: تحتاج الجبة إلى ثوب يكون معها، وعندي ثوب هو أخ لها، فاشرب شربة دواء وخذه!
فكان ذلك وكان الشفاء!
ومرّة أغرى الخليفة المسلم طبيبه المسيحي كي يسلم، وقال له: اتق الله وأنا أضمن لك الجنة!
فقال الطبيب المسيحي: أنا على دين آبائيّ أموتُ، وحيث يكون أبائي أكون، إما في الجنة أو في جهنم
فضحك الخليفة!
ويا لهذا الإغراء الساذج، فهو يصلح فقط للدعوة على التصويت بنعم على الدستور، ولكن لاعتناق دين آخر فهذا أمر أشد صعوبة
ومات طبيب خليفة ما، فبكى عند موته وقال لجلاّسه: إن طبيبي أكبر عندي من قاضي القضاة، لأن هذا يحكم في مالي وذاك يحكم في نفسي، ونفسي أشرف من مالي
وهناك من الأطباء من استغل صحة هذه المقولة أقبح استغلال من حيث قبول الرُشى والأموال من الناس، وكتب مرة إلى أحدهم يتوعّده قائلا: أليسَ تعلم أن أمر الملك في يدي، إن أردتُ أمرضته، وإن أردتُ شفيته!
ولكن الخطاب لسوء حظ هذا الطبيب (وغبائه!) وقع في يد الملك نفسه!، فكانت عاقبة الشر وخيمة كما يقال!
وهناك طبيب سيء آخر ولكن ليس في أخلاقه وإنما في طرق علاجه، وكان اسمه عيسى، فقال أحدهم يهجوه في سخرية:
عيسى الطبيبُ، ترفّق! فأنتَ طوفانُ نوحْ
يأبى علاجُكَ إلا فراق جسمٍ لروحْ
شتّان ما بين عيسى وبين عيسى المسيحْ
فذاك محيي لميتٍ وذا مُميت الصحيحْ
إن نظرنا للكتاب من ناحية الحكايات، فهو طريف .. أيضًا!