ولقد قامت الحضارة الإسلامية على الدين، به ظهورها وبه كان ازدهارها وعزها ومجدها فما انتشرت حضارة الإسلام ولا سادت إلا بالدين، وما تصدرت مسرح الحضارات في تلك القرون التي أعقبت ظهور الإسلام إلا بالدين، بل كان الدين تلك الطاقة المتفجرة التي أمدت جميع مظاهر الفكر بمعين الحياة، فكانت تحمل جميعاً طابعه مهما مهما بدب بعيدة عنه، من ذلك الفن على سبيل المثال إذ اتخذ ملامحه ومعالمه وسماته جميعاً من الدين، فطابع التجريد في الزخرفة الإسلامية في المساجد معبر عن تصور المسلمين المجرد لله وتنزيههم إياه، وقد ابتعد الفن عن التصوير والنحت لأن العقيدة الإسلامية لا تسمح بتجسيم الله. وكان في الحضارة الإسلامية موطن ضعف ينخر كالسوس في بنيانه، إنها السياسة. يقول عليه الصلاة والسلام: لتنقضنّ عرى الإسلام عروة عروة، فكلما انتقضت عروة تشبثّ الناس بالتي تليها فأولهن نقضا الحكم... ولقد بان الضعف في تاريخ الإسلام منذ وفاة الرسول، إذ كانت السياسة أول مصدر للخلاف والشقاق، ومن ثم جاءت عبارة أبي الحسن الأشعري: إن أول خلاف بين المسلمين بعد وفاة نبيهم كان حول الإمامة، ولم يمضِ على وفاة الرسول ربع قرن إلا واقتتل المسلمون بسبب السياسة، ثم استقر هذا الضعف في البنيان الإسلامي كجرثومة مستوطنة – ولا أقول كسرطان – منذ أن أقام معاوية الملك العضوض، "الخلافة من بعدي ثلاثون عاماً ثم تكون ملكاً عضوضاً يعض عليه بالنواجذ".
سأل الأشعري أستاذه الجبائي: ما قولك في ثلاثة: مؤمن وكافر وصبي، فقال الجبائي: المؤمن من أهل الدرجات، والكافر من أهل الهلكات، والصبي من أهل النجاة، فقال الأشعري: فإن أراد الصبي أن يرتقي إلى أهل الدرجات هل يمكن؟ قال الجبائي: لا يقال له أن المؤمن قد نال هذه الدرجة بالطاعة، وليس لك مثلها، قال الأشعري: فإن قال: التقصير ليس مني، فلو أحييتني كنت عملت من الطاعات كعمل المؤمن، قال الجبائي: يقول له الله: كنت أعلم أنك لو بقيت لعصيت ولعوقبت، فراعيت مصلحتك وأمتك قبل أن تنتهي إلى سن التكليف، قال الأشعري: فلو قال الكافر: يا رب علمت حاله كما علمت حالي، فهلا راعيت مصلحتي مثله فأمتني صغيرًا؟ فانقطع الجبائي
هكذا بدأت الحاجة الملّحة في ظهور مذهب وسطيّ للحد من استخدام المعتزلة للعقل وطبيعي أن يكون صاحب هذا المذهب ومؤسسه هو الأشعري، لتذبذب آراءه وحيرته قبل التحول وعدم إيجاده لأجابات شافية في بعض أفكار المعتزلة إلى أن خلع عنه تمامًا أفكاره الإعتزالية وبدأ في تكوين مذهبه الجديد الحقيقة أنه لا يمكن الحديث أو التأريخ لمذهب الأشاعرة دون الرجوع إلى المعتزلة، وعقد مقارنات بين هذا وذاك ورأي كل منهما في كل مسألة ليس فقط لأصول مؤسسه الإعتزالية، بل لأن أغلب المسائل التي ناقشها المذهب الأشعري هي مسائل تعرض لها المعتزلة بالقول والتفصيل والتوضيح والتطوير، فتجد الأشاعرة يخالفوهم في بعضها ويقوموا بتعديل البعض الآخر وإيجاد رأي وسطيّ بعيدًا عن مغالاة المعتزلة في تحكيم العقل وإغفالها لقصور العقل البشري عن إدراك الحكمة الإلهية إلا أنني أرى أنهم في محاولتهم تعديل آراء المعتزلة والذهاب بها لنقطة وسط، ابتعدوا عن الوسط ذاته وقاموا بالتسليم في أشياء كثيرة وترجيح النقل على العقل أحيانًا رغم رغبتهم في الموازنة بينهما ومنها 1-نظرية الكسب التي صراحة لم أستطع لها فهمًا ولم أقدر على تفكيك ما بها من تناقض الله خالق الفعل والعبد مكتسبه أليس هذا نوع من الجبر؟ أين الوسط في ذلك إذن؟ وفي نسبة الشر إلى الله سبحانه وتعالى وإن كان يُنسب مجملاً مع كل الأعمال، أليس هذا أيضًا جبر؟ لم يحل الأشاعرة هذه المعضلة ولم أجد في الكتاب ولا في نظريتهم عن الكسب كيف سنحاسب وفقًا لمبدأ الجبر ونسبة الأعمال خيرها وشرها إلى الله سبحانه وتعالى! ونظرية صفات الله ليست عين ذاته ولا غير ذاته، لم أستطع فهم تناقضها هي الأخرى!!
2-جواز تكليف الله ما لا يطاق، هذا يختلف جملة وتفصيلاً مع الأصل الثاني من أصول المعتزلة وهو العدل وإن كنت أجدني أقرب وأميل لرأي المعتزلة وأرى فيه تنزيه لله تعالى الذي لا يكلف نفسًا إلا وسعها!
3- ورغم رغبتهم في الموازنة بين العقل والنقل، لا تخلو آراءهم من الاعتماد على النقل وأحيانًا التسليم بلا كيف أو كما كان يطلق عليهم البعض "البلاكفة" كإثباتهم لرؤية الله يوم القيامة بدون شروط الرؤية والتجسيم ولكن بلا كيف، ولكن كيف الإيمان بلا كيف دون قتل العقل وانتحاره؟ " "
في هذا الجزء قلّت المتعة العقلية التي شعرت بها في جزء المعتزلة، ليس لعيب في الكتاب أبدًا فهذا الجزء أيضًا أمتعني دكتور أحمد صبحي بتنظيمه وعرضه للأفكار والأحداث، وبثراء المعلومات التي يحويها الكتاب، ومقارناته بين المعتزلة والأشاعرة وغيرهم من الفرق، وتأريخه لواقع الحياة السياسية والأجتماعية من حولهم ولكن السبب يرجع لتهافت الآراء الكلامية للأشاعرة-في رأيي-مقارنة بآراء متكلمي المعتزلة، بالأضافة إلى الفصل الثالث الذي يتحدث عن علم الكلام الفلسفي وردود كل من الرازي والإيجي على الفلاسفة، وذلك لازدهار الفلسفة الإسلامية في هذا العصر وتأخر ظهورها عن علم الكلام للأسف رغم المتعة والنشوة التي أشعر بها في قراءة علم الكلام، إلا أنني أشعر بثقل القراءة في الفلسفة الإسلامية يجثم على صدري ولا أستطيع هضمها بسهولة دون التيه في خضم المصطلحات، ربما عليّ القراءة أكثر عنها.
تبقى ليّ جزء الزيدية، سأنتظر قليلاً قبل الشروع في قراءته لن ابدؤه مباشرة كما فعلت في جزء الأشاعرة، أعتقد أنني بحاجة لفترة راحة ذهنية بعد كل هذه المعارك الكلامية :D
اختم بهذا التأريخ العبقري لمسار علم الكلام وتاريخه:
اسم الكتاب : في علم الكلام ... دراسة فلسفية لآراء الفرق الكلامية في أصول الدين _ الأشاعرة اسم المؤلف : د. أحمد محمود صبحي . أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة الإسكندرية المراجعة والتلخيص : بدايةً من نصحني بهذا الكتاب هو الشيخ عمرو بسيوني ضمن خطته التي وضعها لدراسة علم الكلام وكممهدات لدراسة التراث الكلامي للإمام ابن تيمية _ رحمه الله _ ، وضمّنها أحمد سالم في كتابه ( السبل المرضية لطلب العلوم الشرعية ) ، والكتاب الذي بين يدَينا الآن مقسمٌ ل3 مجلدات : المجلد الأول خاص بالمعتزلة ، والثاني خاص _ موضوعنا _ خاص بالأشاعرة ، والثالث خاص بالشيعة الزيدية ، غير أني ابتدأتُ بهذا الكتاب تحديدًا دون غيره رغبةً مني في التعرف على الأشعرية والأشاعرة تحديدًا . لا يمكن دراسة أي فكر أو أدب بل ولا حتى سياسة دون النظر في تلك البيئة المحيطة في تلك الآونة والملابسات التي أحاطت بهذا الفكر عند نشأته ، وأن نقيّمه في ضوء ظروفه هو لا نحن ، وهذا ما بدأ به المصنفُ كتابَه هذا ، حيث ذكر ظروف نشأة الأشعرية ، واعتبرها نتيجةً طبيعية لذلك الصراع الحادّ الذي كان قائمًا بين أهل الحديث وبين المعتزلة ، فجاء المذهب الأشعري محاولًا أن ينتهج نهجًا وسطًا بين هذا وذاك ، فجاء الإمام أبو الحسن الأشعري _ رحمه الله ورضي عنه _ محاولًا ذلك التوفيق بين العقل والنقل ، والجدير بالذكر أن الإمام الأشعريَّ نفسه ظل معتزليًا طيلة الأربعين سنةً الأولى من حياته ، وكان تلميذًا لأبي علي الجُبّائي رأسِ المعتزلة في ذلك الوقت وزوجِ أمه ، بل كان أبو الحسن الأشعري يتولى الدفاع عن المعتزلة في مناظراته لكل الفرق المخالفة للمنهج الاعتزالي ، وكان يتولى الجبّائي التصنيفَ ، إلى أن حدثت شبْهُ مناظرة بينه وبين الجُبّائي حول مسألة من المسائل ، آلت إلى إيواء أبي الحسن إلى عزلة يبحث فيها حتى خرج على الناس وأعلن رجوعه عن مذهب الاعتزال الذي كان أولَ المدافعين عنه والمناظرين ممثلًا عنهم ، وبدأ يختطُّ لنفسه منهجًا وسطًا بين العقل والنقل ، إلا أنه أراد أن يميل قليلًا إلى النقل على حساب العقل _ الأمر الذي خالفه فيه أتباعه فيما بعد ولاسيما الإمامُ فخر الدين الرازي _ رضي الله عنه _ ، ولكن ذكر المؤلف أن أبا الحسن لم يوفَّق دائمًا في هذا المنهج الذي انتهجه ، وإنما وفِّق في بعض المسائل مثل التمييز بين الكلام اللفظي والكلام المعنوي ، الأمر الذي كان محكَّ الخلاف بين أهل الحديث وبين المعتزلة ولاسيما إبّان مِحنة الإمام أحمد بن حنبل _ رضي اللهُ عنه _ . عندما تطرق المؤلف لرأي الإمام الأشعري في مسألة الصفات اعتمد على كتابه ( الإبانة ) دون ذكرٍ للاعتراضات والشكوك التي وجِّهت لذلك الكتاب وصحة نسبته للإمام الأشعري ، مما يدل على أن المؤلف ترجّح له سلفية الإمام الأشعري في مسألة الصفات . سبب انتشار المذهب الأشعري وتقبّل العلماء له واعتناق جمهوره له ؟ ... سؤالٌ حاول المؤلف الإجابة عليه من عدة وجوه ، هي : 1_ أن المسلمين كانوا يتوقون لمنهجٍ وسط بين العقل والنقل بعد هذا الجفاء الكبير الذي حدث بين أهل الحديث وبين المعتزلة ، فلما جاء الإمامُ الأشعري بهذا المنهج تلقاه الناسُ بالقَبول . 2_ أنه لم يُقيَّد لمذهبِ من المذاهب عددٌ من المفكرين الكبار والأئمة مثل ما قُدِّر للمذهب الأشعري مثل الباقلاني والجويني والغزّالي والرازي والسيوطي والسبكي وعبد القاهر بن طاهر البغدادي وغيرهم ، ولاسيما أن الإمام الأشعري نفسَه كان شافعيًا فأزال هذا الجفاء بين المذهب الأشعري وبين المذهب الشافعي ، كذلك كان الإمامُ الباقلاني حلقةَ الوصل بين المذهب الأشعري والمذهب المالكي ، كذلك كان الأحناف من أهل الرأي أساسًا فكانوا أكثر تقبّلًا للمذهب الأشعري من غيرهم ، إلا أنه يبرز سؤالٌ مهمٌ وهو أنه إذا كان الإمام الأشعري قد أتى بالجديد فلماذا لم يواجهْه المسلمون إذًا كما واجهوا من قبلُ مذهب الاعتزال ؟! .... يمكن الإجابة عن هذا السؤال بأنه لما شاع وانتشر هذا المذهب على يد الإمام أبي حامد الغزّالي _ رضي الله عنه _ شاع في زمنه وزمن مَنْ بعده التقليدُ ولاسيما مع تلك الهجمة الشرسة التي شنّها الإمام الغزالي ضد الفلاسفة وضد علم الكلام ، وإيثاره إلجام العوام عن علم الكلام وأنه على العوام استقبال هذه العقائد بالتسليم دون الخوض في هذا العلم وخباياه ، وحصره على العارفين من أهل الإشراق والعِرْفان بالله _ عزّ وجلّ _ دون غيرهم من الناس حتى من المتكلمين والفقهاء أنفسهم ! ... ولكن في نفسي شئٌ من هذا الرأي الآن . ثمة سبب آخر ��م يذكره المؤلف صراحةً ولكن يمكن اعتباره من ضمن الأسباب : ألا وهو الإمام عبد القاهر بن طاهر البغدادي _ رضي الله عنه _ الذي قدم المذهبَ ليس كفكرٍ أو مذهب وإنما كمذهب أوحد لأهل السنة ولا مذهب سواه ! وذلك انعكاسًا لما تمتع به البغدادي من تعصب شديدِ للأشعرية والأشاعرة وشنه حملات شعواءَ ضد المخالفين لهم ولاسيما المعتزلة والشيعة ، الأمر الذي آل به إلى اعتبار المعتزلة كفارًا لا يورَّثون !....وكذلك في نفسي شيٌ من هذا الرأي الآن . من الجدير بالذكر أن الأشاعرة أنفسهم ليسوا متفقين في كل الآراء ، الأمر الذي يجعلنا خاطئين عندما نضع المذهب الأشعري ككتلة واحدة ، ويضعنا أمام اجتهاد في علم الكلام وأخذٍ ورد من كل الفرق على السواء ، فنجد _ على سبيل المثال لا الحصر _ الإمامَ الباقلانيَّ ينقل نظريةَ الجزء الذي لا يتجزأ من عند أبي الهذيل العلّاف المعتزلي ويدخلها دائرةَ أهل السنة ، كذلك اقترب البغدادي من المعتزلة في تأويل الصفات الخبرية ، وكذلك الإمام أبي المعالي الجويني الذي رفض تأويل الأشاعرة والمعتزلة كليهما للعرش وأوّله هو بالمُلْك ، بل وصل الأمر إلى انتقاد الرازي للإمام الأشعري نفسِه في مسألة رؤية الله في الآخرة _ مع إقراره بالرؤية _ ، فوجّه 12 انتقادًا للأدلة العقلية التي استدل بها الأشعريُّ على جواز رؤية الله في الآخرة ، ورأى أن هذا الأمر للسمع فقط البتُّ فيه وبه فقط الاستدلال في هذه المسألة بالذات وليس العقل ، رغم أن منهجه _ الرازي _ يقوم على تقديم العقل على النقل نتيجةَ تأثره بالفلسفة . ثم جاء عصر الانحطاط والتدهور للأمة الإسلامية ، وتمّ الجمود على الموجود ، واكتفوا بترديد ما قاله الأولون ، وسادت في تلك الفترة المتون والحواشي ، فصيغت العقيدة الأشعرية في شكل منظومات ومتنون كالسنوسية وغيرها ، وربط المؤلف في نهاية الكتاب بين انحدار الحضارة الإسلامية وغياب النزعة العقلية لدى المسلمين جميعًا متمثلًا في اختفاء المعتزلة المعروفين بنزعاتهم العقلية القوية . ألفاظ الكتاب معروفةٌ لكن التراكيب والصيغ كانت تشوبها الصعوبة كثيرًا ، ففهم الكتاب صعبٌ أظنه إلى حدٍ غير قليل ، فهو يحتاج إلى تركيز شديد ، وحد أدنى من المعرفة بالمنطق وألفاظه ؛ لذلك فهو غير صالح للمبتدئ في علم الكلام . تمتعَ المؤلفُ بحيادية كبيرة _ يُحسَد عليها _ وهو متناولٌ هذا المذهب ؛ حيث ذكر أن المذهب الأشعري لا يجب أن يُعرض على أنه المذهب الأوحد لأهل السنّة وإنما على أنه مذهبٌ من المذاهب ، ولم يكتفِ المؤلف بالعرض فقط دون إبداء رأيه فانتقد الأشاعرة في بعض المواقف والآراء كنظرية الكسب وعدم اشتراط الحكمة في أفعال الله وجواز تكليف ما لا يُطاق ! كنتُ قد بدأت قراءةَ الكتاب وأنا أعتقد أن الخلافَ بين أهل الحديث وبين الأشاعرة هو خلافٌ سائغ ويسعنا _ نحن المسلمين _ وهو ما أكّده لي المؤلف _ أثابه الله _ باستعراضه لتاريخ وأفكار الأشاعرة وتعليقاته على آرائهم .