إبراهيم عبد القادر المازني، شاعر وناقد وصحفي وكاتب روائي مصري من شعراء العصر الحديث، عرف كواحد من كبار الكتاب في عصره كما عرف بأسلوبه الساخر سواء في الكتابة الأدبية أو الشعر واستطاع أن يلمع على الرغم من وجود العديد من الكتاب والشعراء الفطاحل حيث تمكن من أن يوجد لنفسه مكانًا بجوارهم، على الرغم من اتجاهه المختلف ومفهومه الجديد للأدب، فقد جمعت ثقافته بين التراث العربي والأدب الإنجليزي كغيره من شعراء مدرسة الديوان.
مقالتان عن الأدب، وسبعة عشرة قصة قصيرة، ومرة أخرى: إن المازني كلما سار تعثّر في الحب أو تعثرت به إحداهن وأحبته!، والقصص التي يرويها المازني -أو أغلبها- كأنها عن نفسه بذات سماته الشخصية والجسمانية، ولكن الخيال يتداخل مع الواقع بدرجة متغولة، فلا أعرف هل كل هؤلاء النساء جزء من أحلام اليقظة أو لا!، ولكنه على أي حال بارع القلم والتعبير
إحدى المقالتين عن الخلود!، وهي من أجمل ما في الكتاب، تحدث عن السنوات العديدة التي عاشها بين الكتب في خيال ووهم، وحتى إنه كان ليشبه نفسه بكتاب مختارات من جملة ما قرأ وحصل
وقال: ومن متناقضات ذلك العهد أني كنت من أعظم الكتاب تحسمًا للدعوة إلى تحرير الأدب العربي من رق التقليد، وإن كنت أنا لا أعدو أن أكون نسخة مختصرة لكل قديم من الآراء والمذاهب والإحساسات والخوالج، وليس هذا ذنب الكتب وإنما هو ذنبي، على أني لو كنت وجدت من يرشدني لرشدت ولانتفعت بما ضاع من عمري، ولكني لم أجد هذا المرشد الأمين والناصح الأمين والقدوة الحسنة، لا في المدرسة ولا في البيت ولا في الإخوان
فأخذ قرارًا بعد أن رثى لحاله وهجر الناس واكتئب كثيرًا
عليّ إذن أن أنفي من جوها كل ما ينغص هذه الحياة أو يقصر عمرها أو يفسد فترتها، وأول ما ينغص هذه الحياة ويضيع معناها ويفسد الغاية منها ويعكس الآية فيها ويقلبها عذابًا وجحيمًا، هذا الأدب الذي جُننت به وضيعت خير شطرٍ من عمري فيه!
وما هو الأدب على كل حال؟!
إلى أنه لا شيء سوى وهم الخلود!، وما الخلود! "غريبٌ أن يعتقد إنسان أن آراءه وأساليب تفكيره وكتابته ستظل هي الحبيبة الأثيرة إلى كل عصر على الأزمان كلها!"
. .
كنت أترفّع عن الناس وأحس أني متواضع جدًا حين أجالس أحدهم، وكان يزيد شعوري بالتواضع ويضاعفه إن أراني أكلمهم كما يتكلمون وأجاريهم في أحاديثهم الفارغة وثرثرتهم الجوفاء، فأرضى عن نفسي كل الرضى وأقول لها في تسويغ هذا التواضع: "وماذا عسى أن يصنع المبصر بين العميان!"، وما أكثر الأعمال التي تركتها وفقدت رزقي منها لأني لم أطق من صاحبها الذي كنت أعمل معه أن يتكلم رجلا خالدا مثلي كأنه من أندادي، أو أن أسمع كلامًا يشعرني أنه لا يفطن إلى قيمة من هو معه ولا يدرك أنه خالد وأنه حقيق بالتقديس وجدير أن يركع أمامه على ركبتيه!
إذن أنه الخلود، العقبة التي تقف في سبيل إدراكه للحياة واستمتاعه بها، فلما أزال عن نفسه وهمَ الخلود، قال:
أحسست أني حططت عن صدري جبلا، فقلت: يا سلام!، أمّا إنها لراحة كنت محرومًا منها، والله لقد كنت مغفلا، وما الذي أغراني بوضع هذا الجبل كله على صدري، وكيف بالله كنت أرجوا أن أتنفس!، أعوذ بالله .. والحمد لله
ثم تأمل في المساحة الفارغة العظيمة التي سببها تنحية صخرة الخلود من نهر نفسه، وقال إذن فما هو الأدب، ولماذا أكتب!، وخلص من ذلك كله أنه يكتب لأنه يرى في ذلك وسيلة للتنفيس عن النفس والتخفيف عنها وإراحتها من ثقل العواطف والخوالج، وقال كلاما كثيرا جميلا، ثم قال:
وقد وجدتُ وأنا أنقب وأحتفر حجارةً كثيرةً تفتتت من صخرة الخلود الضخمة، فزحزحتها ورميتها مثل: النبوغ، والعبقرية، وما أشبه ذلك!، فألقيتها جميعًا، فشعرت بالراحة وأحسست أن ما كان يسد متنفسات روحي قد زال والحمد لله على التوفيق، ورأتي قد رجعت إنسانًا بعد أن كنت دفترًا أو كتابًا كالكتب التي عندي، وكل ما كان ينقصني هو أن أجد من يغلفني أو يجلدني ليتسنى أن أوضع على رف كبقية الكتب، وعلى ظهري كما على ظهورها «كشكول المازني» والواقع إني لم أكن إلا كشكولا فيه خليط مضطرب غير متسق من الآراء المستمدة أو المولدة من هنا وههنا، فصرتُ بعد التنقية الدقيقة التي أجريتها في نفسي: إنسانًا يشعر بالحياة التي وهبها ويلتذها وينعم بها ويحرص عليها كما ينبغي أن يفعل ويوفر لها الأسباب التي تعين على زيادة الامتاع المستفاد منها
يتكون الكتاب من 19 قصة قصيرة لم أجد فيها ما يسترعي الانتباه سوى سبعة قصص فقط لا أكثر، أما الباقي فمحض ورق لا قيمة له منه ما يتحدث عن بعض الغراميات والتي استخدم فيها المازني كلمات بذيئة تحث على الشهوة و منها ما ليس له أي أهمية تذكر . لم أتوقع من المازني أن يخذلني بهذا النوع المؤسف من لكتابة.
ما هذا ! هل هذا هو المازني ! الكتاب سئ للغاية، لم أقرأ للمازني من قبل سوى "عود على بدء" من مدة طويلة جدا، وأذكر أنها أعجبتني للغاية، أما هذا الكتاب فهو مضيعة للوقت. كنت أتوقع كتابا عن الأدب وإذا به قصص قصيرة رديئة مليئة بالابتذال، لم تعجبني منها إلا "امتحان النفس" و "الأدب والخلود"، أما الباقي فلا يوجد فيه شئ مميز.