المجلد الثاني من كتاب "رحلة الخلافة العباسية" يتحدث عن الفترة منذ وقوع الخلافة العباسية تحت السيطرة العسكرية التركية -بداية من عهد الخليفة المنتصر بالله- وحتى انتهاء السيطرة البويهية ودخول السلاجقة في عهد الخليفة القائم بأمر الله
هذا الكتاب هو الكتاب الثاني من رحلة الخلافة العباسية ويتناول عصر الخلفاء الضعفاء الذي بدأ بعد مقتل الخليفة المتوكل، وينتهي كما حدده المبدع محمد إلهامي مع انتهاء السيطرة البويهية على الخلافة العباسية ودخول السلاجقة إلى بغداد لتبدأ مرحلة جديدة من مراحل الخلافة العباسية، الحقيقة هناك تفاصيل كثيرة، وأحداث متتابعة، وأسماء تظهر وتختفي، ودول مستقلة عن الخلافة تظهر ثم تنتهي، وأحداث فتن، وخروج وتمردات على سلطة الخلافة، فترة فعلًا دسمة، ولقد أبدع محمد إلهامي وبذل جهدًا كبيرًا في نسج هذه الأحداث بشكل مترابط في مسبحة تاريخية منتظمة، لكن أهم ما في كتاب إلهامي- وهذا أعتقد قلته في مراجعة المجلد الأول عن العباسيين الأقوياء- أنه يتميز بالنزعة التحليلية العالية والدقيقة، ودائمًا ما يحاول ربط أحدث من الماضي بأحداث من الحاضر كنوع من الاستفادة من درس التاريخ.
رغم هذه الأحداث الكثيرة والمتتابعة، إلا أنه يُمكن لنا من خلال سرد إلهامي أن أضع محددات ومحاور مميزة لعصر العباسيين الضعفاء، أول هذه المحاور هو سيطرة الجند الترك على منصب الخلافة وتحكّمهم في تعيين الخليفة، فالخليفة في يدهم على حد قول ابن الطقطقي " كالأسير" ، وبموت المتوكل يرصد إلهامي سلسلة من الحوادث المحزنة التي كانت تنتهي بقتل الخلفاء على يد الجند الترك، من ذلك مقتل الخلفاء " المنتصر بالله" و " المستعين بالله" و " المعتز بالله" ثم الخليفة العادل " المهتدي بالله"، وغيرهم . وكانت حوادث القتل هذه تكون بطريقة فيها نوع من التشفّي والوحشية بشكل كبير، وفي ظل هذا الوضع المأساوي يرصد الكتاب ظهور الإمارات المنفصلة مثل الدولة الطولونية في مصر، والدولة العبيدية الفاطمية، والسامانية، والحمدانية ..الخ، كان لبعض هذه الدول التأثير الجيد في ظل ضعف دولة الخلافة مثل الدولة الطولونية كما سنوضح.
بدأ أيضًا مع هذا الوضع المتدهور ظهور فتن وتمردات على الدولة، مثل حركة القرامطة، ومثل ثورة الزنج التي كانت أخطر فتنة هددت وجود الدولة العباسية، ويرد إلهامي على الكتابات التي أعدت ثورة الزنج ثورة تحررية، موضحًا أنها ثورة بربرية وحشية استحلت دماء المسلمين وأعراضهم، وأنها كانت من العوامل المؤثرة في زيادة تدهور الدولة العباسية، فإلهامي يقرأ مثل هذه الثورات كونها عوامل استنزاف لطاقات وقدرات الأمة.
ثاني المحاور التي يمكن لنا أن نتكلم عنها كشيء مميز لعصر الضعف العباسي، هو ظهور الإمارات المنفصلة كما قلنا، ويقف إلهامي مع استقلال ابن طولون عن الدولة العباسية موقفًا متزنًا = فيمدحه لما قام به من واجب الجهاد في وقت شُغلت فيه الخلافة، لكنه يُدينه في توسعه في بلاد الحجاز، ولم يكن هذا الاستقلال الوحيد كما قلنا، هناك مثلًا الدولة الزيدية، وهذا كله وضع طبيعي ومنطقي مع سيطرة الترك على منصب الخلافة وتلاعبهم بالخليفة، وإن كان وضع الخلافة تحسن نوعًا مع وصول " المعتضد بالله" إلى كرسي الخلافة= وقد وُصف بأبي العباس الثاني لتجديده ملك العباسيين، لكن إلهامي يوضح أنه بموت المعتضد بالله ووصول المكتفي زادت المنافسات بين ذوي النفوذ في الدولة ، وحدد إلهامي عيوب المكتفي في كونه كان مستسلمًا للدسائس.
مع وصول المقتدر بالله كما يقول الكتاب دخلت الدولة العباسية في النفق المظلم مجددًا، فقد كان المقتدر ألعوبة في يد رجال القصر من الترك، ويبدو أن ألقاب الخلفاء العباسيين في تلك الفترة لا علاقة لها بشخصياتهم بحال، وكالعادة التي تعودنا عليها منذ بداية عصر الخلفاء الضعفاء تم قتل المقتدر أبشع قتله بعد وقوعه في أسر العسكر الترك، ويمكن لنا أن نفهم من خلال ما يسرده الكتاب أن مشكلة الجند الترك مع الخلفاء العباسيين والتي كانت تنتهي بمقتل الخلفاء غالبًا على يدهم، هو تطلعهم للمزيد من المال الذي قد يفوق طاقة الخليفة بطبيعة الحال، أو توجسهم من الخليفة وظنهم أن الخليقة يتأمر عليهم أو يضرب بعضهم ببعض، وهي حوادث للأسف متكررة في تاريخ العباسيين الضعفاء بشكل مستفز.
يؤكد إلهامي في النصف الثاني من الكتاب أن هذه الحالة السيئة، سوف تزداد سوءًا مع ظهور البويهيين/ الشيعة في المشرق في عهد الخليفة العباسي القاهر، هنا يظهر ما يُطلق عليه إلهامي " رجال جدد وخريطة جديدة" ، وسوف يُقدم إلهامي تحليلًا رائعًا يقيّم فيه عصر سيطرة الترك على الخلافة وأثره، فهو يرى أن الحكم العسكري هو بداية انهيار الأمة حضاريًا ثم عسكريًا، ثم ينتقل بنا لعصر سيطرة البويهيين على الخلافة العباسية، وهي فترة كان فيها الخليفة بلا رأي ولا تأثير، ومن السخرية أن الطبقة العسكرية المنهزمة من الترك سوف تخدم النظام السياسي البويهي الجديد، ومن مساويء الحكم البويهي الشيعي هو إثارته الفتن المذهبية، كما فعل الحاكم البويهي " معز الدولة" في العراق، ويرى إلهامي أن الحكام البويهيين في غالبهم كانوا بلا كفاءة ولا حسن تدبير؛ مما أدى لغروب شمس دولتهم بعد ظهور السلاجقة الذين سوف يسيطرون على بغداد بقيادة طغرلبك، وكأن الخلافة العباسية كُتب عليها أن تكون تابعة لا محالة.
الكتاب جميل ومميز مثل الجزء الأول الذي رصد فيه إلهامي العباسيين الأقوياء وعصرهم، بالإضافة لقدرة إلهامي التحليلية الجميلة فهو اطلع بشكل موفق جدًا على كمية من المراجع الأساسية عن عصر الخلافة العباسية، كما اطلع على الكتابات الفكرية المعاصرة عن العباسيين؛ مما كان له جميل الأثر في ظهور هذا البحث المميز بتلك الصورة المنهجية المحترمة.
الكتاب تتمة للجزء الأول؛ العباسيون الأقوياء، ولنا فيه ذات الرأي بأنه؛ ليس مرجعاً في التاريخ العباسي. المؤلف أو المؤلفان، في الجزئين، يعتمدان على مصادر مثل: تاريخ اليعقوبي، والمسعودي، وهي مراجع حذر منها الثقات، لاحتوائها على الكذب. فإذا استعان المؤلفان بمثل هذه المصادر، فإن هذا يقلل من مصادقية كتبهم. كما أن الاستعانة بمثل هذين المصدرين، يشكك القارئ ببقية المصادر، وبالتالي يشكك القارئ بصدق الكتاب. الكاتب نجح في رسم صورة كلية في ذهن القارئ عن تلك المرحلة التاريخية مع التركيز على جانب واحد فقط هو؛ الحياة السياسية، وعدم التطرق إلى أي جانب من جوانب الحياة الأخرى. أيضاً، يدعو المؤلف أو المؤلفان ويكرران الدعوة، إلى الاعتبار والاتعاظ بالتاريخ، وإلى "تقدير الموقف العام"، إلا أننا قرأنا للمؤلفان مقالات صدرت في نفس فترة إصدار الكتاب، وصدرت في لحظة تاريخية حرجة، ليس من تاريخ مصر بل من تاريخ أمة الإسلام، ورأينا في هذه المقالات خلاف العبرة والعظة من التاريخ، وخلاف تقدير الموقف العام، وخلاف إدراك حرج اللحظة التاريخية. وهذا نوع من التناقض!
التاريخ سياسة معتقة! فإذا كانت قراءة المؤلف أو المؤلفان للأحداث السياسية الحالية قراءة غير مبصرة وغير واعية وبالتالي غير منصفة، فما الضمان أن تأريخهم للتاريخ اﻹسلامي مبصر وواع ومنصف؟
الجزء الثاني من هذه سلالة يعتبر جيد وشيق مقارنة بالأول وهو أسهم بشكل تاريخي أحداث الدولة العباسية في فترتي تحكم القادة من الجنود الأتراك وتأثيرهم على الحكم العباسي وفترة الدولة البويهية تعرفنا على أن السياسة والمصالح لا تعرف أخلاق ومبادئ وأن الأموال والمناصب قد تسقط أمم وترفع أمم آخرى ما يزيد جمال هذا الكتاب هو وجود ملحقات تتكلم عن وصف دار الخلافة وعن النظم العسكرية وتأثيرها على القرارات السياسية وأخيراً ملحق يتكلم بإيجاز عن وثيقة الاعتقاد القادري الذي كتبه أعيان بغداد وخصوصا السنة ومن العلماء ابن الأكفاني والإسفرايني والخليفة القائم بأمر الله
بدأ الضعف بمقتل المتوكل وسيطرة الاتراك على القصر وعلى إدارة الدولة الى ان صاروا هم من يعينون الخليفة ويخلعونه. وشيئا فشيئا لم يعد الخليفة الا بالاسم لا سلطة له. وصار التآمر بين الاخوة على الخلافة والاعمام وأولاد الاعمام. الاخ يعزل اخيه من ولاية العهد قهرا لأجل تعيين ابنه. واستمر الضعف في اراضي الخلافة واصحب التمرد والانفصال اكثر. وكثرت الحروب. وظهرت الخلافة العبيدية بمصر وظهر القرامطة ومن قبلهم كانت ثورة الزنج. تقرأ الكثير من المخازي في التاريخ وكيف لاجل المنصب يقتتل المسلمون. وتظهر الدولة البويهية لتسيطر على على الخلافة بدل الاتراك. وفي عهدهم كانت الفتن بين السنة والشيعة. وفي عهدهم فقدت الكثير من البلاد لصالح الروم. وككل دولة تبدأ الصراعات على وراثة الكرسي فينشغل الامير بإخماد الفتن والانفصالات والتمردات.الى ان انهارت الدولة البويهية مع صعود نجم الدولة السلجوقية. في زمن الخليفة القائم بأمر الله.
الكتاب الضخم في جزئه الثاني، استمرار للعرض المفصل لتاريخ الخلافة العباسية. لغة سهلة، عرض موضوعي، تحليل أحداث و النتيجة كتاب مناسب للهواة بدراسة التاريخ والأكاديميين.