تبدو هذة الرواية إنموذجاً صريحاً عن سبب ما يحصل في البلدان العربية من ثورات وحملات منظمة على الأنظمة الخانقة, فعازل.. ضائع في الدنيا, هائم على وجهه بحثاً عن هويته المنقوعه في السراب, حيث يعيش معظم شباب البلدان العربية ذات الحالة, حالة الضياع التام في وطن لا يعطيك بقدر ما يأخذ منك, ولا يفتح لك من الآفاق شيئاً بقدر ما يُضيق الخناق عليك, فيغدو الحل الوحيد الهرب المتعسف إلى بلدان الغربة والترحال الصعب, الرواية تأتي في ظروف شبيهه بما يمر به وطننا العربي أجمع, البطالة, وضياع أعمار الشباب في توافه الأمور, وإستغلال الشباب الضائع في صناعة الإرهاب وتجنيدهم لخدمة أهداف مضلة, وترويج بلدان المهجر كحلم وردي صاخب بينما الواقع قد يكون مختلفاً كلياً عما هو عليه, يتحدث "بنجلون" هنا وكأنه يتنبئ بما جعل الناس والأوطان العربية هائجة هذة الأيام, حيث يقدم بطريقة غير مباشرة أسباب عدة تبرر كل ما أتت عليه الثورات العربية بالفترة الماضية, وقد لم يطرأ على بال "بنجلون" وقتها أن الأوضاع ستتجه بهذا الإتجاة بعد سبع سنوات من كتابة الرواية, إلى أنه قدم مقدمة إرتجالية لمسبباتها من خلال هذة الرواية بطريقة غير متعمدة وهو ما أحببته في طريقة النص وحضوره.
للشخصيات في هذة الرواية حضورها القوي, وتلونها بألوان وأشكال عدة, حتى لتبدو صياغة كل شخصية على حدة بهرجة من حد صاخب ومليء بالألغاز والفخاخ الصعبة, فـ "بنجلون" يرسم شخصياته بحرفيه عاليه, ويخلق لكل واحدة منها مساحتها الخاصة, وحدودها المستطيلة, لتغدو ذات الألوان متقاربة من بعضها البعض, ولتشكل صيغ جديدة ومفاهيم أخرى للمعاناة والعيش في سقم ويأس دائمين, زحمة الوجوة في هذة الرواية خلقت فيها جواً حركياً عالي الدقة والتطلع, وجعلت منها لوحة حافلة بألوان قرمزية وأخرى ذات شكل آحادي مثير.
يصور "بنجلون" "أسبانيا" على أنها حُلم كل المغاربة, بينما هي في الحقيقة سراب ضحل. "عازل" وقع في وهم هذا السراب, أخذ أحلامه معه وأرتحل إلى تلك الديار, فإذ به أسير شهوة رجل متسلط, ومجتمع فقير لمن لا يملكون مهارات العيش فيه, بينما "كنزه" قررت أن تختار الحل الأسرع لتصل إلى هناك, فأرتبطت بمن لا يحمل لها في داخل قلبه أي حب أوشهوة, وقفزت معه في أقرب قارب لتكون تحت سماء "أسبانيا", وحينما وصلت لهناك وجدت أن لقمتها لن تأتي إليها بالساهل, "ميكال" مثال على جبروت رجل ثري ومتسلط, يحب أن يلعب لعبته بخفيه, فيأخذ ما يريد من الحياة ويترك ما لا تشتهيه نفسه, وهو بماله وسلطته قادر على تحريك كل القواعد والأسس حتى تكون في صالحه, كما فعل مع "عازل" و"كنزه", قد تكون هذة فقط بعض خصال هذة الشخصيات الثلاثة.. إلا أن النص غني بشخصيات أخرى متقاطعه, تحمل كل واحدة منهن على حدة هوية وسيرة مستقله عن زميلتها, وهو ما وجدته مثيراً في النص, فأنت مهما جلت فيه فمؤكد أنك ستجد في داخله شخصيه تشبهك أو قريبة منك.
الفصل الأخير من الرواية كان رمزياً, وغير واضح الملامح.. إلا أن الفكرة التي إنتهى إليها النص, هي أن الجميع تسيطر على أذهانهم دائماً فكرة الرحيل عن أوطانهم وأماكن إستقرارهم لعدم رضاهم عن شيء ما, مهما كانت ماهية هذا الشيء, فأن هذة الحقيقة تظل حقيقة ثابتة, وفكرة مستقرة, أكاد أجزم بها كما يجزم بها "بنجلون". "عازل" نهايته كانت مزرية.. والعودة كان الحل الأخير الذي إتخذته كل الشخصيات الروائية كما فهمت مما جاء في الفصل الأخير من الرواية, على العموم الرواية ممتعة ومشوقة وحافلة بالكثير والكثير من التفاصيل التي تستحق أن ينظر فيها, ويعاد تحليلها كأساس ثابت للكثير من قضايا الأوساط العربية والمحلية.