هذا كتاب متخير الألفاظ مفردها ومركبها، وإنما نحلته هذا الاسمَ لما أودعته من محاسن كلام العرب، ومستعذب ألفاظها وكريم خطابها منظوم ذلك ومنثوره. ولم آل جهدا في الانتقاء والانتخاب والتخير. وهو كتاب كاتب عرَف جوهر الكلام وآثر الاختصاص بجيده، أو شاعر سلك المسلك الأوسط، مرتقيا عن الدون المسترذل، ونازلا عن الوحشي المستغرب. وذلك أن الكلام ثلاثة أضرب: ضرب يشترك فيه العِلْية والدون، وذلك أدنى منازل القول. وضرب هو الوحشي كان طباعَ قوم فذهب بذَهابهم. وبين هذين ضرب لم ينزل نزولَ الأول، ولا ارتفع ارتفاعَ الثاني، وهو أحسن الثلاثة في السماع، وألذها على الأفواه، وأزينها في الخطابة، وأعذبها في القريض، وأدلها على معرفة من يختارها. وإنما ألفت كتابي هذا على الطريقة المثلى والرتبة الوسطى. وجعلت مفاتح أبوابه الألفاظ المفردة السهلة، وختمته بالألفاظ المركبة الجارية مجرى الأمثال والتشبيهات والمجازات والاستعارات. وعولت في أكثره على ألفاظ الشعراء بعد التنقير عن أشعارهم والتأمل لدواوينهم. فليعلم قارئه أنه كتاب يصلح لمن يرغب في جزل الكلام وحسنه، ولمن يجود تمييزه واختياره، فأما من سواه فسواءٌ هذا عنده وغيره. ونعوذ بالله من كلال الحد وبلادة الطبع وسوء النظر. وليعلم أن أول ما يجب على الكاتب والشاعر اجتباءُ السهل من الخطاب، واجتنابُ الوعر منه، والأنس بأنيسه، والتوحش من وحشيه، فهذا زمان ذلك. ولن يتسنم أحد ذروةَ البلاغة مع التكلف للفظ الغلق، والتطلب للخطاب المستغرب. وقد تحريت في هذا الكتاب الإيماء إلى طرق الخطابة، وآثرت فيه الاختصار، وتنكبت الإطالة. فإن سمت به همته إلى كتاب أجمع منه، قرأ كتابي الذي أسميته ( الحبير المذهب ) * فإنه يوفي على سائر ما تركت ذكره هاهنا من محاسن كلام العرب إن شاء الله.
كتاب متخير الألفاظ مفردها ومركبها، أَوْدعَهُ المُؤلف من محاسن كلام العرب، ومستعذب ألفاظها وكريم خطابها منظوم ذلك ومنثوره. ولم يدّخر جهدا في الانتقاء والانتخاب والتخير. وهو كتابُ كاتبٍ عرَف جوهر الكلام وآثر الاختصاص بجيده، أو شاعر سلك المسلك الأوسط، مرتقيا عن الدون المسترذل، ونازلا عن الوحشي المستغرب. وذلك أن الكلام ثلاثة أضرب: ضرب يشترك فيه العِلية والدون، وذلك أدنى منازل القول.
وضرب هو الوحشي كان طباع قوم فذهب بذهابهم.
وبين هذين ضرب لم ينزل نزولَ الآول، ولا ارتفع ارتفاعَ الثاني، وهو أحسن الثلاثة في السماع، وألذها على الأفواه، وأزينها في الخطابة، وأعذبها في القريض، وأدلها على معرفة من يختارها.
وإنما ألَّفَ كتابه هذا على الطريقة المثلى والرتبة الوسطى. وجَعَلَ مفاتح أبوابه الألفاظ المفردة السهلة، وختمه بالألفاظ المركبة الجارية مجرى الأمثال والتشبيهات والمجازات والاستعارات. وعوَّلَ في أكثره على ألفاظ الشعراء، فهو كتاب مُمْتع لم يتخير غريب الألفاظ لذا جاء سهلا