عناية جابر في مجموعتها "استعد للعشاء" قصائد بالأسود والأبيض
بيروت ـ مكتب "الرياض":
الكتاب: استعد للعشاء (شعر)
المؤلف: عناية جابر.
الناشر: رياض نجيب الريس للكتب والنشر
الكتابة لدى عناية جابر يتناولها خطان متعاكسان وإن كانا مكملين لبعضهما, هما محاولة واضحة لكتابة الليل والنهار, ويكفي ان أشير إلى تكرار كلمة الليل 15 مرة في المجموعة, وكلمة النهار 8 مرات, والمشتقات المعنوية لهاتين اللفظتين مثل كلمة المساء التي تكررت 6 مرات والنوم 6 مرات, والعتمة 4 مرات والشمس 4 مرات, وغيرها من المفردات التي تصب في هذا المعنى مثل "أسود, ضوء, الوقت الأبيض, النور, تطفئ, الظلمة, معتم, الساهرون والنجوم.." مما يدل على بناء لغوي قائم أساسا على فكرة الزمن باللونين الأسود والأبيض أي الليل والنهار. وهذه البنية تتطلب جهدا اضافيا لابراز اللوحة/ القصيدة على اعتبار ان الرسامة الشاعرة تحاول ايصال الفكرة من دون تكثيف في الألوان غالبا . ولعل امرا جعل عناية جابر تبتعد عن الزركشة وتكتفي باللونين الأساسيين, هو موضوع لوحاتها الذي ركز على الرسم الداخلي للمشاعر وليس نقل المشاهد الخارجية للأشياء والكائنات, وكأن اللونين المتناقضين دليل على تنازل داخلي بلغ أقصاه, وهو ليس صراعا لونيا فحسب وإنما نزاع بين ملائكة وشياطين في أفكار ومشاعر المؤلفة: "سيان, أن ارنو إلى يديك, أو إلى طفولتي" (ص72). "تسمح بأن اردد اغنيتي" والاصغاء, إلى أمزجة فالتة, للهواء والشياطين" (ص80) إذن, التقشف في الألوان يقابله اقتصاد في البلاغة القديمة وميل نحو تخفيف العبارة من أوزارها التي تثقل كاهل القصيدة, وهذا ينسجم مع الطبيعة الأنثوية الشفافة إذ تمتاز الجمل بالرقة والحنان انها السوسن ملتفا , تسفعه الشمس" (ص66). الأمر الذي يؤكد المفهوم الشعبي "قوة المرأة بضعفها", وكأن قصيدة عناية جابر تستمد حضورها من ذلك الضعف الأنثوي, إذ دائما هناك احتيال على اللفظة وشيطنة في المعنى: "تجعل لشوقي رأسا .. وتلويه" (77), وأحيانا تتصف التعابير بالعنف والقسوة: "أساعدك على الموت" (ص44). وهنا تختلط الكتابة الذكورية بالأنثوية حتى يصعب تحديد النوع الأدبي فيبدو الأمر مثل كتابة الآخر بلغته وأحاسيسه ونزعاته وميوله, وكأن القصيدة ممثل يتبادل الأدوار على خشبة المسرح أو يتقمص شخصيتين من دون أن ينتبه الجمهور.
ان الرشاقة أوصلت الشاعرة إلى غربلة الحصى الثقيلة من النص دافعة بها إلى كتابه اليومي حيث التركيز على تفصيلات الحياة اليومية التي تجيد عناية جابر الرقي بها إلى مستوى الشعر: "الألم الطويل لم يبلدني, وعذابي أعددته بدقة, وعملت, على جمع تفاصيله, بما في ذلك الحذاء (ص12). وهنا تبرز ـ عادة ـ براعة الكاتب الذي يحول المعاش إلى كائن مألوف أو غريب معا .
كما سبق ان اشرت فإن عناية جابر ترسم بالريشة أكثر مما تكتب بالقلم, وهو رسم تجريدي إذ تنقل المعنى الكامن في مشاعرها من دون شكل أو اطار للوحة "كأنما تضمر لونا, وتفتعل دخانا , لهذه الموسيقى (ص18). لذلك يظهر تسلط اللونين الرئيسيين: "السرعة البيضاء" "الوقت الأبيض" معطفها الأسود" بالاضافة إلى ألوان أخرى مثل "زهورك الحمراء" "انتظر اصفراره" العتمة العميقة الزرقة" لكن إذا تأملنا هذه الألوان الأخيرة الثلاثة فإننا نجد ان الأزرق لون مخفف من الأسود/ الليل, والأصفر لوحن شاحب للأبيض/ النهار, والأحمر خط يفصل النهار عن الليل وتحديدا فترة الأصيل. هذا من حيث البنية اللغوية للكتابة وأدوات العمل الفني, لكن هذا الزهد اللوني يقابله عمق في تجسيد الفكرة أو العاطفة.
عناية جابر تكتب بقلب دافئ ويدين باردتين وكأنها تكتب وهي بعيدة عن الحدث خطوتين, الأمر الذي يؤكد غياب الفن الناتج من صدمة مباشرة, مما يدفعنا إلى قراءة ما خلف الكلمات ويفسر مساحة الصمت الواسعة في القصيدة, فأدوات التعبير تتم من دون جهد كلامي ولزوميات ما لا يلزم. إذ ان التواصل مع القارئ ينجز من خلال التلميح والايحاء لا من خلال التصريح, لذلك فإن الشاعرة هنا تعرف تماما كيف تكتب القصيدة الشفوية وقصيدة البياض.
شاعرة واعلامية واديبة من لبنان. بالإضافة إلى كونها فنانة تشكيلية ومغنية.
اعلامية في صحيفة السفير, تكتب في القدس العربي هي خريجة علوم سياسية من الجامعة اللبنانية, فنانة تشكيلية. مغنية أحيت عدة حفلات منها في دار الاوبرا المصرية ,إيطاليا ,الاونسكو، الجامعة الاميريكية, مسرح المدينة -لبنان وبعدة عواصم عربية واجنبية.
إصداراتها الشعرية
طقس الظلام مزاج خاسر ثم انني مشغولة استعد للعشاء امور بسيطة ساتان أبيض جميع أسبابنا لا أخوات لي عروض الحديقة
"أمنح اللحظة التي تمر قوة وجمالاً طيبين ساعات من الانتظار سواء أو حتى سنوات يقيني أنك غادرت وأن بضعة من حياتي فرّت من الغرفة وانفلتت في الشوارع وبين الناس تحت الشمس سالت رقيقة ومبيضة أليس من الممكن أن أنسى تماماً؟"
إنه دفء ليلةٍ شتوية، دفء في حضن رجلٍ طال إنتظاره. نارٌ منبعثة من المدفأة و رائحة صلصة الطماطم المملوءة بالخضر الورقية تفوح في المنزل .. هذا ما تتحسسه في روحك بعد أن تقرأ هذا الديوان.
عناية التي عرفتها في " ثم إنني مشغولة" لم تكن الموجودة هنا! لا أعلم. ثمّة شيء مفقود، الروح التي أجدها بالشعر عادةً. توقّعت أنّها ستكون أجمل، أنضج في رابع تجربة شعريّة.