تتعلق جدوى الكتابة التاريخية حول التراث الثقافي والروحي في المنطقة العربية بالكشف، لأن الكشف ضرورة للفهم الفعال لماضينا، ولحاضرنا، ومن ثم لمستقبلنا أيضاً. دون الرؤية التاريخية، ستكون حركتنا من أجل المستقبل حركة عشوائية أو متخلفة. فبالفهم سنكتشف أسباب تخلفنا الحاضر، وبالفهم سنعرف كيف نستعين بامتداد تراثنا فينا استعانة عقلانية لبناء المستقبل، وبفهم العلاقة مع الآخر في التاريخ، سنعرف كيف نقيم علاقتنا الآن مع الآخر في الحاضر، أي أن البناء المعرفي ضرورة مهمة حتى في مجال "العمل الأيديولوجى" المحض، وإن كان العمل الابستمولوجي، في حد ذاته، هدفاً أولياً من أهداف مراجعة كتابة التاريخ، سواء استعان به البشر في معاركهم أو رفضوه، فمجاله، رغم ارتباطه العضوي بأهواء البشر ومصالحهم، بدأ يبتعد شيئاً فشيئاً عن مجال الساسة والأحزاب والخطباء، وبدأ يقيم تراكماً "معملياً" مهماً في دفع مسيرة العلوم الإنسانية للإمام دفعاً جديداً، حتى وإن تحدث في جزئيات، أو تعامل مع قصاصات أو وثائق أو وقائع عمرها آلاف السنين.
من هذا المنطلق يأتي كتاب "التاريخ والأسطورة في حواراته النقدية التي تضيء التحولات الثقافية "للذات" العربية الآن، وللذوات المقابلة في التاريخ: الذات اليهودية، والذات الأوروبية، عبر تمثل الإنتاج (الروحي) والثقافي في مصر وبلاد الرافدين وفي فلسطين وفي جزيرة العرب أخيراً. في هذه الإضاءات إيحاء بالتحولات المتوقع لها أن تصيبنا الآن أو في المستقبل ونحن نشكل موقعاً طرفياً في المنظومات الثقافية العالمية، وخاصة "المنظومة" الغريبة المسيطرة. إلى أي مدى سنقاوم؟ وبأي درجة؟ وما هي النتائج (النهائية) لمثل هذه المواجهة أو ذلك (الغزو) كما يحب البعض أن يسميه "وهو تعبير قد تم تسطيحه كثيراً في الآونة الأخيرة؟ أسئلة إجاباتها ملك للتاريخ، حيث لم تنته عملية الصراع والجدل الحضاري بين الموروث والوافد، أو قل إنها لا تزال في أرض المعركة التي لم تنصح نتائجها (النهائية)، والتي غالباً ما ترى عن زاوية تاريخية بعد أن يكون الصراع قد حسم لصالح تحولات جديدة تبدأ في مواجهات متجددة باستمرار.
فى كتابه عن الموسوعيين، روى الكاتب الإنجليزى ذو الأصول الباكستانية وقاص أحمد حكاية عن أحد المغامرين الإنجليز منذ حوالى خمسون عاماً و التى أخذ ذلك المغامر على عاتقه محاولة قراءة دائرة المعارف البريطانية كاملة. بعد إنتهائه من ذلك التحدى و الذى استغرق منه أربعة أعوام، سئل عن أثر تلك القراءة الدؤوبة للموسوعة فى فكره. أجاب الرجل أنها جعلته لا يستطيع الجزم بأى شئ.
أندهش من هؤلاء الذين يستطيعون تسويد عشرات الصفحات من الكتب و المقالات أو يتولون زمام الحديث فى اللقاءات التليفيزيونية أو لقاءات الأصدقاء على المقاهى و يقومون بالحديث فى التاريخ القديم بثقة لا يشوبها شائب و بلهجة يقينية كيقين الموت. عبثاً أحاول شرح سذاجة و خطأ طريقتهم فى رواية التاريخ و لكن بلا جدوى. لقد تم إختطاف العقل العربى و أصبحت فرصة محاولة إرجاعه شديدة الضآلة فى رأيي. إختصاراً فإن تاريخنا القديم فى مرحلة ما قبل الدولة الأموية هو تاريخ مشكوك فى أمره و لا يجب التعامل معه بتلك الثقة العمياء. المصادر المتوفرة لنا عن تاريخنا ما قبل الدولة الأموية تقريباً غير موجودة و إن كان ولا بد لنا من الإستعانة بتلك المصادر فربما نستطيع أن نستعين بالمصادر الرومانية أو السريانية التى تروى أحداثاً عن من يطلق عليهم بالسراسنة. هناك بالفعل روايات شديدة الغرابة تنفجر فى وجوهنا بمجرد مطالعتنا لتلك الروايات الغير تقليدية. هوناً على أنفسكم يا أيها العرب، فنحن و إلى الآن لم نستقر بعد على من نطلق عليه لقب عربى و ما يطلق عليه حضارة إسلامية.