جمال محمود صالح حمدان .. أحد أعلام الجغرافيا في القرن العشرين، ولد في قرية "ناي" بمحافظة القليوبية بمصر في 12 شعبان 1346هـ ،4 فبراير سنة 1928م، ونشأ في أسرة كريمة طيبة تنحدر من قبيلة (بني حمدان) العربية التي نزحت إلى مصر في أثناء الفتح الإسلامي.
مع أن ما كتبه جمال حمدان قد نال بعد وفاته بعضا من الاهتمام الذي يستحقه، إلا أن المهتمين بفكر جمال حمدان صبوا جهدهم على شرح وتوضيح عبقريته الجغرافية، متجاهلين في ذلك ألمع ما في فكر حمدان، وهو قدرته على التفكير الاستراتيجي حيث لم تكن الجغرافيا لدية إلا رؤية استراتيجية متكاملة للمقومات الكلية لكل تكوين جغرافي وبشرى وحضاري، ورؤية للتكوينات وعوامل قوتها وضعفها، وهو لم يتوقف عند تحليل الأحداث الآنية أو الظواهر الجزئية، وإنما سعى إلى وضعها في سياق أعم وأشمل وذو بعد مستقبلي أيضا. ولذا فان جمال حمدان، عاني مثل أنداده من كبار المفكرين الاستراتيجيين في العالم، من عدم قدرة المجتمع المحيط بهم على استيعاب ما ينتجونه، إذ انه غالبا ما يكون رؤية سابقة لعصرها بسنوات، وهنا يصبح عنصر الزمن هو الفيصل للحكم على مدى عبقرية هؤلاء الاستراتيجيون.
وإذا ما طبقنا هذا المعيار الزمني على فكر جمال حمدان، نفاجأ بأن هذا الاستراتيجي كان يمتلك قدرة ثاقبة على استشراف المستقبل متسلحا في ذلك بفهم عميق لحقائق التاريخ ووعي متميز بوقائع الحاضر، ففي عقد الستينات، وبينما كان الاتحاد السوفيتي في أوج مجده، والزحف الشيوعي الأحمر يثبت أقدامها شمالا وجنوبا، أدرك جمال حمدان ببصيرته الثاقبة أن تفكك الكتلة الشرقية واقع لا محالة، وكان ذلك في 1968م، فإذا الذي تنبأ به يتحقق بعد إحدى وعشرين سنة، وبالتحديد في عام 1989، حيث وقع الزلزال الذي هز أركان أوروبا الشرقية، وانتهى الأمر بانهيار أحجار الكتلة الشرقية، وتباعد دولها الأوروبية عن الاتحاد السوفيتي، ثم تفكك وانهيار الاتحاد السوفيتي نفسه عام 1991م.
عُرضت عليه كثير من المناصب التي يلهث وراءها كثير من الزعامات، وكان يقابل هذه العروض بالاعتذار، مُؤثرا تفرغه في صومعة البحث العلمي، فعلى سبيل المثال تم ترشيحه عام 1403هـ ـ 1983م لتمثيل مصر في إحدى اللجان الهامة بالأمم المتحدة، ولكنه اعتذر عن ذلك، رغم المحاولات المتكررة لإثنائه عن الاعتذار. وعلى الرغم من إسهامات جمال حمدان الجغرافية، وتمكنه من أدواته؛ فإنه لم يهتم بالتنظير وتجسيد فكره وفلسفته التي يرتكز عليها.
لا يربطني بالزراعة إلا ما أتذكره من المقننات المائية للمحاصيل المختلفة، ودورات الري التي درستها في مادة تصميم شبكات الري والصرف منذ خمسة عشر عامًا تقريبًا، وكذلك تأملاتي خلال مشوار الجامعة الذي يمتد لخمسين كيلومترًا ذهابًا ومثلها إيابًا، يمر أكثر من نصفها على أراضٍ زراعية وبساتين.
لم أكن أتصوّر أن كتابًا مثل هذا سيشدني، أو بالأحرى سيكون ممتعًا إلى هذه الدرجة.
ما دفعني إلى قراءة الكتاب أن المؤلف هو جمال حمدان، الذي يجعل من الكلمة كائنًا حيًّا ينظر إليك كما تنظر إليه، ويحوّل العلم إلى مادة أدبية أشبه برواية أبطالها هذه المرّة هم القمح والقطن والخضروات.
كما أن موضوع تقلّص المساحة الزراعية، وندرة المياه، وتزايد السكان يفرض نفسه كحدث يستدعي البحث والتنقيب عن الحلول. حلم كل الأوطان هو امتلاك الغذاء والدواء والكساء والسلاح، وهذا الكتاب يتناول أحد الأركان الأربعة وأهمها على الإطلاق، فالبطون الجائعة لا تعرف الحرية.
كم أتمنى أن أجد نفس المادة العلمية بإحصاءات محدَّثة بعد عام 1975 الذي انتهى إليه الكاتب، وخصوصًا في جزء الخضروات والفواكه الذي تغيّرت خريطته تمامًا منذ السبعينيات وحتى الآن.
رحم الله جمال حمدان، هذا العبقري المصري الذي نفتقد مثله في كل مجال وزمان.
إجمالا الكتاب مفيد للغاية، ولكن ينقصه شيئان.. الأول تنقيح الأرقام والإحصاءات التي مضى على أحدثها قرابة 35 عاما، والآخر الحديث عن الوضع الاقتصادي للمحاصيل الزراعية وموقفها من الاستيراد والتصدير.. كنت اضطر أحيانا للبحث عن نشرات وزارة الزراعة ووزارة التموين للحصول على أحدث الأرقام ومقارنتها بما هو موضوع في الكتاب لمعرفة الوضع الحالي