ذات يوم من أيام الخريف الجميلة كان شاب طويل القامة يخطو بثبات نحو بركة للماء وخلفه عدد من الأولاد والنسوة. بجانب البركة جثا شاب آخر يغرف الماء ويعبئه بقربته الجلدية والناس ملتفون حول البركة يفعلون مثلما يفعل الشاب الجاثي.كل شيء هادىء في المكان إلا صوت الماء الذي يغرف ويوضع في القرب. دقق الشاب الطويل يتفحص البركة وجوانبها ليأخذ له مكاناً يعبىء منه الماء. انقطع الهدوء حين سأل الشاب الطويل الشاب الجاثي:
القومجيون العرب وصناعة الوهم المعرفي "مراجعة في كتاب جنوب السودان وآفاق المستقبل"
إنتهيت لتوي من قراءة كتاب جنوب السودان والكتاب من طباعة مكتبة مدبولي عام 2011 وهو من طباعة الهيئة العامة السورية للكتاب 2007 ومتاح على موقعها للتحميل ويقع في 320 صفحة وحوالي 60 ألف كلمة مقاس 17*24 وثمن الكتاب كما إشتريته من مدبولي 80 جنيه وفي السطور التالية أبرز تعليقاتي على هذا الكتاب
إن هذا الكتاب يضعك في جوب الإحباط الذي يصاب به قراء الكتب القومجية عموماً بعد نهايته بغض النظر عن نوع المنتوج الثقافي فقد نسج الكاتب كتابه على نمط المدرسة "الهيكلية" في التاريخ وهذا ليس مدحاً فمدرسة "هيكل" في التاريخ هي الأسوأ في رأيي المتواضع لأن الأستاذ كما يحلو لهؤلاء أن يسمونه يمارس أسوأ أنواع التلاعب بالتاريخ وهو توجيه التاريخ
الإنتقاد الأول إصرار الكاتب على إنكار البعد العرقي للقضية وتأكيده في صفحات طويلة من هذا الكتاب على أن الأبعاد العرقية للصراع ما هي إلا أوهام وضعها الإحتلال في أذهان الجنوب وكأن القوم لا عقل لهم وقد تأكدت بنفسي من أخ سوداني شمالي من كذب هذا الإدعاء وبالرغم من نفي السيد أحمد أبو سعدة لهذا الأمر إلا أنه عاد ليؤكده في إتهامه المباشر لقبيلة الدنكا بتأجيج رحى الحرب في الجنوب البائس وبرغم إصرار الأستاذ أحمد على التأكيد على عدم وجود صراع طائفي في الجنوب إلا أنه عاد ليؤكد على أن الإحتلال مرة أخرى زرع هذا الصراع !!
الإنتقاد الثاني توثيق المعلومات الأستاذ أحمد كسائر القومجيون لا سيما أبناء مدرسة هيكل أمثال عادل حمودة ومصطفى بكري ومن على شاكلتهم يتحدث عن وثائق لا يراها إلا هو وخطابات لم يطلع عليها سواه يأتي الأستاذ أحمد بخطابات بعضها قديم بحيث يستعصي الوصول إليها وبعضها بدرجة من الخطورة تجعل من شبه المستحيل أن يتم الإفراج عنها ثم ينتقل في النصف الثاني ويتطور هذا التحريف إلى ذكر محاوارات تمت بين أطراف الصراع يستحيل عقلاً أن يكون الأستاذ أحمد قد إطلع عليها إلى أن يبلغ قمة إستهتاره بالقارئ عند نهاية الكتاب فيروي حوار دار بين رئيس أوغندة وجون كرنج وناهيك عن الصيغة الكرتونية للحوار التي تشبه حبكة حوارات الشياطين ال13 إلا أن الملفت أن الأثر الخطير المترتب على هذا الحوار وهو إغتيال كرنج نفسه بعدها بأيام يجعل من المستحيل على الأستاذ أحمد أن يكون قد علم بحدوث هذا الحوار !!
الإنتقاد الثالث غموض الدور العربي وهو عيب قاتل بالكتاب فالكتاب يهمل الحديث عن الطور العربي في إطار كتاب ضخم يتحدث عن قضية مهمة وبينما يتحدث الكاتب عن "سلاح عربي" شاهده بنفسه في يد الجنوبيين وبالرغم من أني لا أعرف معنى كلمة "سلاح عربي" هذه إلا أن الكاتب يتعمد تتويه القضية فلا أنت تعرف الموقف من السودان عربياً ولا هو سكته عنه فبينما يتحدث عن سلاح عربي هنا تراه يتحدث عن إهمال عربي في نقاط أخرى ثم إهتمام مزعوم من "سورية" والعراق "قديماً" في إشارة للفترة الصدامية أو ما قبل الصدامية إن الكتاب برغم لسانه القومجي البحت يغفل تماماً الحديث عن الدور المصري في السودان وهو دور مهم وخطير لا سيما في الحقبة الناصرية ويعتم تعتيماً كاملاً ومتعمداً على الدور الخليجي
الإنتقاد الثالث
الشيطان الأكبر كأي قومجي يحترم نفسه يختتم الأستاذ أحمد أبو سعدة كتابه بهجمة شرسة على الإمبريالية الأمريكية وكيف أن أمريكا هي البعبع الأكبر ويحمل الكاتب أمريكا جرائم كان قد حملها في أول الكتاب لإنجلترا !!ويوسع أمريكا سباً وشتماً وتقريعاً كل هذا برغم أن الدور الأمريكي المزعوم لم يظهر في نفس الكتاب إلا مع فصوله الأخيرة
إن هذا الكتاب يدور في فلك المؤامرة الكونية التي يدبرها كل من مجلس الكنائس العالمي و أوروبا المتصهينة "على حد تعبيره" و أمريكا وإسرائيل "طبعاً" و ربما سكان كوكب بلوتو
إن تقييمنا لهذا الكتاب يأتي في النهاية ليضعه في إطاره الصحيح فهذا الكتاب لا قيمة معرفية حقيقية له لكنه ثبت جيد للمصطلحات الجنوبية السياسية والأشخاص وإنتمائاتهم والتواريخ وبعض الأحداث والإتفاقايات
إن هذا الكتاب كتب تحت ستار البعث القومي إن هذا الكتاب ككل ما هو قومي