وفي إطار محور العودة إلى الذات الذي اعتمدناه ركيزة في بنائنا المعرفي ، نتوقف عند هذا الكتاب المثير الذي يحكي قصة النبتة الصينية التي أصبحت جزأ من الهوية و الذاكرة المغربية ...
الهدف من اختيارنا لهذا الكتاب هو نفسه حافز مؤلفيه الأستاذين الجامعيين عبد الأحد السبتي و عبد الرحمان لخصاصي : فتح جسور بين الحياة اليومية و المجتمع و التاريخ وإبراز الروابط التي تجمع بين الثقافة العالمة والثقافة الشعبية ، بين المكتوب والشفهي وبين الفكري و السيكولوجي .
لكن هناك دافعا أكثر عمقا وخطورة من كل هذا وذاك ، يسلط الكاتبان عليه الضوء بحبكة فريدة تزاوج بين الإقتصاد و السياسة وعلم الإجتماع و الأنثرو بولوجيا والعلاقات الدولية: كيف لعب الشاي دور حصان طروادة في خلخلة الموازين التجارية المغربية و سهل تغلغل الرأسمال الأوربي في المغرب ممهدا للإستعمار ؟ كيف انتقل الشاي من مجرد مشروب إلى هدية أضحت أنجع وسيلة لترسيخ التبعية : تبعية السلطان للأوربيين ، وتبعية رؤساء القبائل وشيوخ الزوايا للسلطان وبعد ذلك تعلق بقية فئات الشعب بهذا المشروب المستورد في المدن ثم في القرى حتى في حالة الخصاص الحاد كما كان الحال في " عام البون" ؟ كيف تحول استهلاك منتوج مستورد في غضون أقل من قرن إلى إدمان جماعي كان بداية لدوامة الدين و الإفلاس وفقدان السيادة ؟ وبعد هذا كله : كيف تتم صناعة مكونات الهوية الوطنية لشعب ما عبر التاريخ ؟
بين ثنايا هذا الكتاب ، نتعرف على أسرار رحلة الشاي و السكر بالمغرب : كيف فرض الإنجليز تجارته بالقوة ؟ لماذا ثار الفقهاء ضده في بادئ الأمر و احتضنه السلاطين وشيوخ الزوايا ؟ كيف وصل" البراد"من ليفربول ليستوطن بلاد المغرب و أمريكا في نفس الوقت ؟ و لم سافر قالب السكر من مصانع مارسيليا حتى أصبح الهدية رقم ١ للمغاربة في أفراحهم كما في أتراحهم ؟ و ما السر وراء إصرار الجنرال ليوطي على إمداد المغرب قبل فرنسا بكميات وافرة منه ؟ وختاما ، كيف تستمر تداعيات ذلك إلى اليوم عبر إشكالية صندوق المقاصة ، علما أن المغرب كان أكبر مصدر للسكر في عهد السعديين ؟
"شربنا من الأتاي كل معتق شراباً حلالا ً لا نبيذاً ولا خمراً"
يُقال إن أول من شرب الشّاي بالمغرب كان عم السّلطان المذكور ، مولانا زيدان بن مولانا إسماعيل . كـان خـلـيـفـة من والده المذكور بثغر أسفي . وكان شريباً حتى أكسبه الشرب ألما عجز الأطباء عن معالجته، فجيء بحكيم نصراني، فأمعن النظر فيه فقال : لا بد من تخليه عن الشرب . فلم يجد إليه سبيلاً ، فأتاه بشرب الأتاي . ولم يزل يحسنه إيّاه حتى استغنى به عن الشرب ، فعوفي بقدرة الله . فلما لقي والده المذكور، قصّ عليه الخبر وأراه إياه فشربه ، ثم جيء به لولده مولانا عبدالله . وفي أيام صاحب الترجمة شاع وذاع ، وعم جميع المجالس والبقاع . ولم يزل في زيادة الظهور، والولع به في البوادي والحواضر على ترادف الأعوام والشهـور . وقد مدحه الشعراء بكثير من الغزليات الأدبية، وذكروا فيه كثيرا من الفوائد الطبية . [الفاسي، التذكرة، ص 13- 15 ]
من المثير أن علاقة المغاربة بالشّاي هي حالة تملّك رمزي لمادّة أجنبية. كما أن المشروب ولوازمه أصبحت تُشكِّل، في وعيهم وفي صورتهم عند الآخرين، عنصراً من عناصر الهُويّة الجماعية ، إلى درجة أنه أصبح يوهم بأن استهلاكه متجذِّر في ماضيهم، فالشّاي عند المغاربة ليس مجرد مشروب ، بل هو منبّه، اقتصر استهلاكه في البدايات على النُخبة قبل أن يُصبح المشروب المفضّل عند الجمهور. ويرتبط تناوله بطقوس خاصّة . و هناك مؤشرات تدلّ على أن جلسة الشاي كانت في المغرب، في مـسـتـواهـا الطـقـوسي، امتدادا لجلسة الخمر . ففي الوقت الذي نشأ فيه السّجال حول المشروب الجديد، بين معارضين ومؤيدين، ذهب الطرف الأول أحيانا إلى حد القول بأن الشّاي حرام لأنه يشبه الخمر، وذكر بعض المؤلفين عرضا بعض الجزئيات التي تتشابه فـيـهـا جلسة الخمر وجلسة الشّاي . أما الطرف الثاني، فـقـد دعـا إلى الاسـتـمـتـاع بالمشروب الجديد كبديل عن الخمر. وقد اشتهرت بعض الأبيات، وتحولت إلى مراجع يستدل بها في السجال الدائر حول المشروب الجديد. كما أن طقس الشـاي بلغ درجـة أعلى من الإحكام والصّرامة في مناطق سـوس وشنكيط والصحراء، وهو ما يتجلّى في القصائد التي نظمها أدباء هذه المناطق . فقد أسهب هؤلاء بشكل خاص في ذكر الصّفات والخـصـال التي ينبغي أن تتوفر في «مـقـيـم الأتاي» . فهناك فن الـقـيـاس، وهناك الـوقـار والتواضع والاتّزان والاعـتـدال والحكمة، إلى جانب النظافة وأناقة اللباس والهندام . إنها أوصاف تذكـر بعـضـهـا بظاهرة «الظرفاء» في الـثـقـافـة العربية الكلاسيكية. لكن الانتقاء قد يتّخذ معايير أخرى . فهذا مثلا الشاعر السّوسي داوود ، المولود سنة 1892، يشرح نصا لمؤلف من بدو الصحراء، ويتبنى ما أورده في موضوع الشّروط التي تفترض في «مقيم الأتاي». ويلحّ المؤلفان على أن تحضير الأتاي يمنع على الـعـبـيـد وذوي البشرة السوداء والحراطين والـفـقـراء. ونقرأ عند آخـريـن أنه لا يجـوز للرجل الحـر أن يـحـضـر الـشـاي للأسـود، ويذهب البعض إلى أن إقامة الشّاي تمنع على الأعمى والأعرج وسائر المعاقين . فطقس الشّاي لا يكتفي إذن بتكريس التّفاوت، بل يذهب أحيانا إلى حد الإقصاء.
في كتابهما من الشاي إلى الأتاي (العادة والتّاريخ) تناولا مؤلفي الكتاب الأستاذين الجامعيين عبد الأحد السبتي و عبد الرحمن لخصاصي أتاي على صواني التاريخ والثقافة والأدب، كما نقلا نصوص جغرافيون ورحالة ومؤرّخون بهدف تسجيل تطوّر مادّة الشّاي أو الأتاي دون إغفالهما للجانب الفقهي الذي تضارب في فتاويه بين مُحرّم ومُحلّل للشّاي وللسّكر وقتذاك. وانتهيا بالنبش في الذّاكرة الشعبية وفي الأدب المغربي باستعراض قصص وقصائد تحتفي بأتاي.