What do you think?
Rate this book


578 pages, Paperback
First published January 1, 1978
و كان الكلبيون دائما السند القوي لهذه الدولة بالفعل. حتى كانوا العوامل الحاسمة التي منعت عنها خطر الزوال عند موت معاوية الثاني بن يزيد. أي الحفيد المباشر لمعاوية الأول المؤسس. فقد تعرضت دولة بني أمية حينذاك لأزمة كادت تقضي عليها لولا مساندة الكلبيين لها. و ذلك حين قام عبدالله بن الزبير بطلب الخلافة لنفسه و تبعه فريق من المسلمين في الحجاز والعراق و انتصر له القيسيون. فنشبت معركة طاحنة بين القبائل القيسية و الكلبييه في مرج راهط. و استبسل الكلبيون في الدفاع عن بني أمية دفاعا عن مصالحهم. حتى هزموا خصومهم القيسيين و أعادوا لهذه الدولة قوتها. و لكن نتائج هذه المعركة نقلت الدولة الأموية من أيدي الأسرة المؤسسة أسرة معاوية (آل أبي سفيان) إلى أيدي الأسرة الأموية الأخرى (بني الحكم).أما في هذا الجزء فقد كان الكلام أمتع و أبسط من سابقه كثيرا و ذلك لاحتوائه على جانب تاريخي شيق يخفف من حدة الأسلوب الأكاديمي و المصطلحات الفلسفية. تحدث عن فرق الشيعة و عن الخوارج و من ثم القدرية و الجهمية و غيرها من الفرق التي انشقت عن عصا الدولة و تبلور أفكارها و فلسفاتها و التي مهدت لحركة فكرية كبيرة سيأتي دورها فيما بعد هي المعتزلة.
التشيع من حيث هو موقف في الإسلام نشأ مع نشوء مسألة الخلافة فور موت صاحب الدعوة الإسلامية. ثم جعل هذا الموقف يتبلور و يتفاعل مع أحداث الحياة العربية – الإسلامية. حتى نشأت و تفرعت عنه مواقف سياسية. و فكرية: كلامية و فلسفية. تألف منها مذاهب و فرق شيعية متعددة. بعضها تضاءل مع الزمن. و بعضها تحول إلى موقف آخر يختلف عن منطلقه الأساس. و بعضها نما و تصلب و اتسعت قاعدته و لا يزال محتفظا بوجوده و أرضه و منطلقه.كانت البداية هي الموقف من مرتكب الكبيرة و التي تفرعت عن الإيمان بالقدر و بالتالي قضية الجبر و الاختيار
حاولنا الكشف عن الجذور السياسية التي نشأت منها مختلف النظريات الإيمانية. فخرجنا من ذلك باستنتاج أن الجدل الكبير الواسع الذي شغل الحركة الفكرية زمنا طويلا حول نظرية الإيمان التي توصل إلى أحد أمرين: إما تكفير مرتكب الكبيرة و إما عدم تكفيره. هذا الجدل يكمن وراءه عامل سياسي حزبي. و لم يكن جدلا فكريا مستقلا عن الواقع السياسي في تلك الفترة التاريخية التي استمرت من يوم مقتل عثمان إلى عهد نشوء المعتزلة. فنشوء علم الكلام ثم الفلسفة العربية – الإسلاميةعرض الكاتب لفكر الحركات المخالفة للسلطة أو بالأحرى لأهل السنة و الجماعة كان عن طريق مصنفات أهل السنة و الجماعة نفسهم فقد تعرضت المصنفات المكتوبة للجماعات المخالفة للمصادرة و المنع و التدمير من البداية للنهاية و صرنا نعرف أغلب أفكارهم من مصنفات أهل السنة التي تنتقدهم و ترد عليهم الحجة بالحجة أو تصفهم بأبشع الألفاظ مع عرض تاريخهم من منظور عدوهم لا سيما الجماعات التي لم يعد لها وجود الأن
و إذا أخذنا بالحسبان أولا أن الظاهرات الفكرية لا تنشأ تلقائيا و فجائيا دون ممهدات سابقة لها. و ثانيا أن الظاهرات الفكرية لا تنشأ بمعزل عن الظاهرات الاجتماعية. بل متصلة بها بنوع ما من الاتصال إما مباشر و إما غير مباشر. و إذا أخذنا بالحسبان ثالثا أن بحث مشكلة القدر بالخصوص قد ارتبط بموقف سياسي في جوهره و ديني في مظهره - كما سنرى بعد قليل - صح لنا أخيرا أن نستبعد القول الشائع لدى كثير من مؤرخي الفلسفة العربية بأن البحث في هذه المشكلة بدأ مع معبد الجهنيمن لطائف هذا الكتاب أن جهم بن صفوان مبتدع الفئة التي أطلقوا عليها فيما بعد الجهمية أو الجبرية فسر الخلود في الجنة و النار بأنه خلود مؤقت و أن الجنة و النار تفنيان بانتفاء الغرض منهما و قائلا بأنهما سيفنيان بكل ما فيهما بعد استقرار أهلهما بهما. مستندا في ذلك إلى قوله تعالى: خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ. و مستندا إلى الأساس الفلسفي ان كل ما هو غير أزلي فهو غير أبدي.
و لعل هذا الرأي في نفي صفة الإرادة. هو الذي حمل النظّام على القول برأي أخر يتعلق بخلق الكون. فإنه لكي يتخلص من التعقيد الذي يؤدي إليه نفيه لصفة الإرادة. لجأ إلى القول بأن الخلق حصل مرة واحدة. و لم يتعدد. فينحصر نفي الإرادة عن أفعال الله في فعل واحد. و هو الخلق الواحد. فإن النظّام يقول بأن الله خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الأن: معادن و نبات و حيوان و انسان. و لم يتقدم خلق آدم عليه السلام خلق أولاده. غير أن الله تعالى أكمن بعضها في بعض. فالتقدم و التأخر يقع في ظهورها من مكامنها. دون حدوثها و وجودها.أبدع النظّام في هذه النقطة و كأنه جعل الخلق يتلخص في كلمة كن التي أنشأت الكون كله دفعة واحدة ثم انبثق عنها كل شيء بعد ذلك. فعلى حد قوله البديع: كل الموجودات كانت موجودة منذ اللحظة الأولى و كل ما يحدث هو أنها تظهر من مكامنها. أو بالمعنى العلمي الحديث تظهر في سلم التطور و لولا القضاء على الحركة الفكرية التي سميت بالمعتزلة لصار العقل العربي أكثر حرية و لربما بدأ عصر النهضة قبل موعده بعدة قرون في أرضا العربية بدلا من ظهوره المتأخر في أوروبا.
و من هنا يقول الأشعري: لا يرى عند النظّام إلا جسم و لا يسمع إلا جسم لأن الأصوات أجسام عنده. و كذلك لا يذاق و يشم و يلمس إلا جسم. و يضرب لنا الشهرستاني مثالا إيضاحيا لموضوعة النظّام هذه قائلا: ذهب النظّم إلى أن الكلام جسم لطيف منبعث من المتكلم و يقرع أجزاء الهواء بحركته و يتشكل بشكله. ثم يقرع العصب المفروش في الأذن فيتشكل العصب بشكله. ثم يصل إلى الخيال فيعرض على الفكر العقلي فيفهم. فعلى قياس هذا المثال نقيس تطبيق مناطق هذه الموضوعة على اللون و الطعم و الرائحة. و أنه لواضح أن استنتاجات النظّام في موضوعته هذه ليست بعيدة كثيرا عن نتائج نظريات العلم التجريبي.الفصلان الأخيران كانا في علم المنطق و علم الكلام عن المعتزلة و الأشعرية
إذ – كما رأينا – بدأ علم الكلام الأشعري بشكل عودة إلى السلفية السنية بهدف هدم البنيان العقلاني الذي شيده الفكر المعتزلي. و إن حاول الأشعريون الظهور بمظهر عقلاني لم يتجاوز النطاق الشكلي المحض. كما أشرنا في ما سبق. و منذ ذلك الوقت صار واضحا أن الصراع بين علم الكلام و الفلسفة هو في الواقع صراع إيديولوجي بالدرجة الأولى: صار علم الكلام معبرا عن الأيدلوجية الرسمية و صارت الفلسفة بالإضافة إلى التصوف معبرة عن أيديولوجية مختلف الفئات الاجتماعية المعارضة للسلطة الحاكمة المركزية. بدليل أن الاضطهاد المختلف الأشكال الذي عانته الفلسفة طوال قرون كان يبدأ اضطهادا فكريا في مؤلفات المتكلمين. ثم يتحول إلى اضطهاد مادي و جسدي من قبل السلطات المسيطرة.بقي جزاءن يبحث الأول منهما: تبلور الفلسفة - التصوف - حركة اخوان الصفا و يبحث الأخير فلسفات الكندي و الفارابي و ابن سينا.