What do you think?
Rate this book


418 pages, Paperback
First published January 1, 1978
مثّل الكندي أول مفترق طرق حقيقي للفلسفة العربية الإسلامية. فقد كانت الفلسفة قبله تتحرك حول حقيقتين: الحقيقة الدينية و الحقيقة الفلسفية. فيما عرفه هو بثنائية الحقيقة. و بذلك استطاع ان يزيح الحقيقة الدينية من مجال البحث الفلسفي بكل ما يثقلها من قيود القداسة و النص و الاصطدام بالحاكم و المحكوم. و من ثم استطاعت الفلسفة و لأول مرة التحرر من أغلال حدت من حركة الفكر و انطلاقه في خط مواز للخط الديني و ان بدأ معه من نقطة واحدة ثم تباعدا شيئا فشيئا.
يصير الكندي بذلك هو الفيلسوف العربي الأول الذي لم ينطلق من محطة علم الكلام و لم يحسب على شيوخ الدين و هو المؤسس الأول للبناء الفلسفي العربي الذي أتمه بعد ذلك الفارابي و الرازي و ابن سينا و ابن رشد و غيرهم.
الفصل الثاني كان عن الفارابي و مدينته الفاضلة التي تأثرت بأفلاطون و ان لم تتطابق الرؤية كما تأثرت بنظرية الفيض لأفلوطين و كذلك بالأفلاطونية المحدثة سيما مدرسة الاسكندرية التي أسس على مبادئها بواكير فلسفته. شطح الفارابي بعيدا عن الدين كثيرا في رحلته الفلسفية فقد أقر بأصالة العالم و موضوعيته و أقر بالقوانين الذاتية للحركة و ان العناصر الأولية للطبيعة ليست ماهيات مطلقة بل شكل ما من وجود المادة. و رغم تناقض الفارابي في كثير من الأحيان إلا أن الكاتب أرجع تناقضاته لطول مسيرته العلمية و التقلبات السياسية التي استدعت ألا يجهر دائما بكل أقوله.
المحطة الأخيرة كانت لابن سينا مرورا بأبو بكر الرازي. كان الرازي هو أول من أعلن القطيعة بين الدين و الفلسفة فأنكر النبوة و أقر بأزلية الكون و انطلق من زاوية شبه مادية في تحليله و تفسيره لكافة الظواهر الفلسفية و لكن الكاتب هنا لم يتوقف عنده كثيرا و انما توقف عند ابن سينا لتوافر مادة الباحث و لكونه حلقة مهمة في سلسة تطور الفلسفة منذ المعتزلة و حتى الرازي. لخص الباحث أهم انجازات ابن سينا في اقراره بأن المعرفة ذاتية موضوعية و ليست فطرية و لا تأملا ذاتيا كما كان يُعتقد. و أدواته هي الحواس و العقل. و بذلك يستطيع الانسان معرفة العالم و اكتشاف جوهر الأشياء. وصول العقل الى حقيقة الأشياء لا يتم الا بالتعلم و التدريب و الحدس حسب طبيعة كل عقل و قدراته. و من هنا اكتنفت نظرية المعرفة لدى ابن سينا عوامل مثالية روحانية برغم انطلاقها من اساس مادي و ذلك لتعذر الوصول الى نظرية متكاملة في ظل علوم و ثقافة عصره.
النزعة المادية الأبرز في فلسفة ابن سينا كانت في نظرته للعلاقة بين الوجود و الماهية اذ تصور ان الوجود هو انعكاس للماهية و هذا يدل على ان النزعة المثالية التي غلفت ماديته ما هي الا قناع يضفيه على نظريته للبعد عن التصادم مع رجال الدين و بالتالي العامة و رجال الحكم على السواء.
أما عن العلة المحركة للأجسام عند ابن سينا فقد قسمها كالتالي: إما أن تكون موجودة في الجسم فيسمى متحركا بذاته. و إما أن لا تكون موجودة بالجسم بل خارجة عنه فيسمى متحركا بغيره. و المتحرك بذاته: إما أن تكون العلة الموجودة فيه يصح عنها أن تحرك تارة و أن لا تحرك تارة أخرى فيسمى متحركا بالاختيار. و إما أن لا يصح عنها أن لا تحرك و يسمى متحركا بالطبع. و المتحرك بالطبع: إما أن يكون بالتسخير فتحركه علته بلا إراده و يسمى متحركا بالطبيعة. و إما أن يكون بإرادة فيسمى متحركا بالنفس الفلكية.
بذلك تنتهى تلك الموسوعة التي بدأت بتمهيد لأحوال العرب قبل البعثة ثم في صدر الاسلام و الخلافة و حتى الدولة الأموية . تلى ذلك بداية تبلور الفلسفة على أيدي المعتزلة و علماء الكلام ثم التوجه الفلسفي على حساب الجانب الديني الرسمي السلفي كحركة اخوان الصفا و الحركات الصوفية خاتما هنا بأبرز فلاسفة الإسلام الأوائل. و قد نفى الكتاب هنا ما ينسب للفلاسفة الاسلاميين بأنهم ذوو نزعة مثالية توفيقية و ان جهودهم في الفلسفة اقتصرت على حفظ الفلسفة اليونانية أو شرحها على أقصى تقدير و لكن اثبت الكاتب في أكثر من موضع أن الفلسفة العربية الإسلامية و ان كانت امتدادا طبيعيا تاريخيا للفلسفة اليونانية من حيث اشتراك الانسانية في الإرث الحضاري إلا أنها كانت بنت بيئتها و نتاج تلك البيئة التي صاغت تساؤلات العامة و الخاصة عن الدين و الحياة في صور عقلانية تطورت منذ قضية الجبر و الاختيار حتى وصلت إلى دراسة الحركة و السكون و الذات و الماهية و نظرية المعرفة و كل القضايا التي استندت إليها الفلسفة الحديثة بعد ذلك.
معنى هذا أن فلسفتنا العربية لم تكن لحظة سكون في التاريخ و لم تكن مجرد رفا في مكتبة العالم بل كانت حلقة في سلسلة تطور تلك الفلسفة و ليس ذلك فقط بل هي حلقة مهمة أسهمت في جعل هذا العالم مكان أفضل و ما زالت تؤتي ثمارها حتى الأن.
الموسوعة صعبة بأجزائها الأربعة و صفحاتها التي تربو على الألفين و لكن الجميل أن هناك ملخصا بعد كل فصل يمكن لمن تشق عليه قراءة الفلسفة أو ليس لديه الوقت الكافي للقراءة أن يطلع عليها و يلم بالفكرة الرئيسية دون التفاصيل.