تضم هذه المجموعة التي بين يدينا ثلاث إصدارات لدفاتر لينين الفلسفية، تعرض لنا قراءة لينين لفلسفة هيغل وفويرناخ وأرسطو وآسال وغيرهم، بالإضافة إلى بعض الموضوعات الفلسفية المتفرقة.
حيث جرى الحديث في الكتاب الأول من هذه السلسلة عن الديالكتيك عند هيغل، حيث رأى لينين أن اشكالية المادية هي أيضاً اشكالية الديالكتيك، أو أن النظرية المادية للمعرفة، والديالكتيك، والمنطق، شيء واحد في كلمات ثلاث. أما الكتاب الثاني، الجزء الأول، فضم نقد لينين لمقالة ديبورين عن "المادية الجدلية"، ونصوص من كتاب لينين " المادية والتجريبية النقدية، بالإضافة إلى خلاصة مؤلف فوير باخ "دروس عن جوهر الدين". وتُختم دفاتر لينين الفلسفية بالكتاب الثالث، الجزء الثاني، الذي ضم "دروس تاريخ الفلسفة" و"دروس فلسفة التاريخ" لهيغل. وتحليل نقدي لكتاب لاسال عن هيراكليت الغامض، ولكتاب أرسطو "الميتافيزياء"، وموضوعات فلسفية أخرى.
Vladimir Ilyich Ulyanov, better known as Vladimir Lenin, was a Russian revolutionary, leader of the Russian Social Democratic Labour Party (Bolsheviks), statesman and political theorist. After the October Revolution he served as the first and founding head of government of Soviet Russia from 1917 until his death in 1924 and of the Soviet Union from 1922 until his death in 1924.
لا يُعد كتاب «الدفاتر الفلسفية» كتاباً بالمعنى الحرفي، بل هو مخاض فكري ومسودة قراءة مكثفة دونها لينين أثناء دراسته لكتاب هيغل "علم المنطق"؛ ليعيد شحن الماركسية بمضمونها الجدلي بعد إفلاس الأممية الثانية، ويبني عليها ماركسية عصر الرأسمالية الاحتكارية بمواجهة الصوريين. يقدم هذا العمل تدوينًا لعملية تعميق لامتناهية للمعرفة الإنسانية، حيث ينطلق من الوجود المباشر والكم والكيف السطحي لينفذ إلى "الأساس الخلفي" والجوهر الكامن وراء الظواهر، متجاوزاً فرضية كانط العقيمة عن "الشيء في ذاته". يفكك الكتاب الجوهر كطاقة وحركة تمر بالاختلاف والضدية والتقابل حتى تبلغ "التناقض الداخلي" الذي يمثل المحرك الحقيقي للصيرورة، متجلياً في مقولة القياس والتحولات النوعية عبر القفزات التي ترفض التدرج البطيء. ومن خلال تجاوز النفي العاري نحو مفهوم "الرفع والاحتفاظ" الديالكتيكي، يثبت موضوعية الظاهر في وجه المثالية والكنطية، مستعرضاً نسبية تجربة الاستقراء وانفتاحها صعوداً إلى قياس الضرورة، حيث القوانين المنطقية ليست أغلفة فارغة بل انعكاس للترابط الكلي للعالم، وحيث تلتقي المادية التاريخية بالعملية الغائية في صيرورة العمل التي تبدو فيها الأداة كوسيط لتحرير الإنسان. إن عبقرية هيغل تكمن في إحداث إنماء فكري كان، رغم مثاليته، أذكى من المادية الميتافيزيقية الجامدة؛ إذ حملت منظومته في طياتها بذور مادية مقلوبة رأساً على عقب، تبدّت في إقراره بالنهاية بأن "الفكرة تضع نفسها كوحدة مطلقة للمفهوم الخالص وواقعه لتتطابق مع الوجود وتصبح هي الطبيعة"، وهو الانتقال الجدلي الذي أتاح لماركس—من بعد فيورباخ—إقامة الحد الثالث المتمثل في "نفي النفي". هكذا تتقدم المعرفة من محتوى إلى محتوى، فالتقدم الديالكتيكي ليس مجرد انتقال خطي من شيء لآخر، بل إن المفهوم يحفظ نفسه في وجوده الآخر، والعام يحفظ نفسه في خصوصيته، لترفع كل درجة محتواها المكتسب نحو التعيين التالي، وتغتني المعرفة وتتكثف في ذاتها. وفي النهاية، ينقلب التصور الميتافيزيقي لتتأكد فاعلية الإنسان العملية؛ فالصور والمقولات المنطقية لم تهبط من فراغ، بل انطبعت في الدماغ البشري كقوانين بديهية نتيجة تكرار الممارسة المادية لمليارات المرات عبر التاريخ، مما يثبت أن الذاتي والموضوعي متداخلان أبدياً، وأن الحقيقة هي توافق الموضوعية والمفهوم. إن هذا العمل هو المدخل الأعمق لعالم هيغل الذي ينقلنا بدوره معرفياً لعالم ماركس، مؤكداً أن فاعلية الإنسان قادرة على إنشاء لوحة موضوعية عن العالم تفضي إلى تغيير الواقع الخارجي وإلغاء تعيينه المؤثر على الذات.
كُتبت هذه الدفاتر في فترة عصيبة بشكل فائق، حيث كان لينين في منفاه السويسري، ووجد أن الأممية الثانية التي حملت راية الماركسية قد خانت مبادئها، ودعمت حكوماتها البرجوازية في حرب لن تفيد سوى تمدد رأس المال الاحتكاري وانبساطه. وتعللًا بهذا، شعر لينين أن الأزمة لا تقتصر على منحنى سياسي بعينه، بل إنها منهجية الأصل؛ حيث سقط القادة الاشتراكيون في الفهم السطحي والآلي المبتذل للماركسية. لذا، اعتزل لينين السياسة اليومية مؤقتًا، ودخل مكتبته ليدرس أعمق كتب الفلسفة فكرًا وتعقيدًا؛ كتاب علم المنطق للفيلسوف الألماني جورج هيغل، ليُعيد شحذ السلاح الفلسفي للثورة المنشودة.. لقد كان هيغل عبقريًا في تحديد كيفية تحرك العالم وتطوره عبر التناقضات، لكن مشكلة هيغل التي منعت الماركسيين في ذلك الوقت من الاطلاع على أعماله هي مثاليته المطلقة. بيد أن هؤلاء الماركسيين الذين تبرأ منهم ماركس تجاهلوا عملية التطور المعرفية، وهو تجاهل ناتج عن عدم علمهم بالمعرفة؛ فبوصفها العلاقة المباشرة للمفهوم والموضوع، تتجه إلى وضع ما هو مختلف في علاقة من حيث هو مختلف. لذلك، فإن هدفها هو الضرورة لتصل من خلالها إلى الصيرورة. وعلى هذا الأساس، فإذا كانت المعرفة هي السير التطوري العملي، النامي والمنبسط، فإن انعكاس الشروط والأوجه المادية في الفكر الإنساني يجب أن يُفهم لا بطريقة ميتة، لا تجريديًا، لا بدون حركة، لا بدون تناقضات، بل في السير الأبدي للحركة، وفي السير الأبدي لولادة التناقضات وحلها. وبهذا، فقد ولدت شعلة هيغل من رماد سبينوزا وكانط. وإذا قمنا بعمل مقارنة بسيطة، سنجد أن جنين التناقضات الكامن في المنظومة المثالية الذاتية قد أفضى إلى عملية انتقال نحو منظومة أكثر تقدماً، وهي ما نجدها عند هيغل في مثاليته المطلقة، والتي رآها الماركسيون في وقت لينين مجرد حماقات فكرية، وذلك لأنهم جهلوا الديالكتيك واكتفوا بكتاب رأس المال عيانيًا بدون أن يفهموا أصله التجريدي، الذي انبسط من خلال الاتجاهات والوجوه الداخلية المتناقضة في هذا المجتمع الرأسمالي. إن هيغل أحدث عملية إنماء فكري بشكل أو بآخر؛ صحيح أنها مثالية، ولكنها من وجهة نظر المادية الديالكتيكية أذكى من المادية الميتافيزيقية، وهذا ما ثبت فعلاً؛ فلم يكن في استطاعة البشرية إحداث ذلك التقدم التحليلي والتركيبي بدون تخطي المثالية الذاتية، والتي كان لهيغل دور كبير في إحداث تجاوزها ونفيها الجدلي، وقد أتى ماركس –من بعد فيورباخ– وأقام الحد الثالث، أي نفي النفي. وينبغي أن نشير أيضاً إلى أن ذلك النفي للنفي لم يكن قادمًا من العدم الخالص، وإنما جاء من خلال بذور تناقض - إنتقال جدلي من الوجود الي العدم والعكس - كانت قد برزت في فكر هيغل؛ فعندما يتفوه في صفحات كتابه الأخيرة بأن: «الفكرة تضع نفسها كوحدة مطلقة للمفهوم الخالص وواقعه، وبذلك تتطابق مع الصفة المباشرة للوجود، لذا فهي في هذا الشكل، وككلية جامعة، الطبيعة». نجده قد تحدث عن انتقالٍ من الفكرة المنطقية إلى الطبيعة، فالمادية هنا في متناول اليد. وعليه، فقد كانت منظومة هيغل المثالية تحمل في طياتها بذور مادية مقلوبة رأساً على عقب. هكذا تتقدم المعرفة من محتوى إلى محتوى، عبر التناقضات الجوهرية التي تتجسد في الظاهرة، وهو ما لم يكن من الممكن معرفته بدون إسهام هيغل الكبير في نقد فرضية "الشيء في ذاته" العقيمة. وما يجب على كل ماركسي التأكد منه عبر الممارسة هو أن الكلي هو الأساس، لذا لا يجب أن ننظر إلى التقدم على أنه مجرد انتقال من شيء إلى آخر. فكما أكد هيغل بأن المفهوم يحفظ نفسه في وجوده الآخر، الكلي في تجزئته [العام يحفظ نفسه في خصوصيته]، في الحكم وفي الواقع؛ ترفع كل كتلة محتواها المكتسب في كل درجة للتعيين التالي، وبتقدمه الديالكتيكي ليس فقط لا يترك شيئاً وراءه، بل يحمل كل المكتسب، ويغتني ويتكثف في ذاته. ندرك من خلال هذا المقطع التطور الطبيعي من كانط إلى هيغل ثم إلى ماركس، والذي لم يستطع ماركسيو الأممية الثانية إدراكه بسبب جهلهم الواعي بالديالكتيك وبالمعرفة وتطورها. وفي الأخير، يجب على كل باحث حقيقي أن يعمل على دراسة هذا العمل البليغ وليس قراءته فقط؛ فهو خير دليل ومدخل نحو قراءة عالم هيغل، الذي بدوره ينقلنا معرفياً إلى عالم ماركس وعالمنا الآن. ولكن كل ذلك مبرهن على فاعلية الإنسان الذي يستطيع إن رغب، إنشاء لوحة موضوعية عن العالم، تفضي إلى تغيير الواقع الخارجي وتلغي تعيينه الممتد والمؤثر على الذات الإنسانية برمتها.