خط سير الكتاب جميلة للغاية، قرر أن يكون مصدره الأول والرئيسي عن رحلات الحج هو كتب مذكرات الحجاج أنفسهم، فاستعان بمجموعة كبيرة من كتب الرحلات عبر العصور الوسطى، واستخرج منها خط سير الرحلات الغالب، وطرق استعداد الحجاج لرحلة الحج، ونزولهم في مدينة البندقية (محتكرة الحج)، واستقلالهم السفن اليافاوية المتجهة إلى حيث المزارات المقدسة
وإن كان من الطريف أنه وجد أن بعضهم كان ينقل وصف المزارات التي يمر بها من كتيبات السياحة التي كانوا يحرصون على قرائتها قبل القيام بهذه الرحلة وخلالها!
وفي الكتاب اهتمام شغوف بمعرفة أسعار رحلات السفن وأنواعها وهرمها التنظيمي وأسلحة الدفاع الموجودة بها للدفاع عن نفسها ضد القراصنة والمسلمين الذين كان بعضهم يعتبر مهاجمة هذه السفن نوعًا من الجهاد!، وكذلك مقارنة بنود العقود المختلفة الموقعة بين الحجاج وربابنة السفن، وأنواع المتاعب التي تواجههم في البحر، والقواعد العامة التي وضعتها مدينة البندقية لتسهييل رحلات الحجاج إلى الشام، لأن ذلك أيضًا يصب في مصلحتها الاقتصادية والسياسية
.
.
الكتاب جميل، قال في البداية أن الحج لم يكن قط فريضة دينية على المسيحين، ولكن الإنجذاب الروحي إلى زيارة الأرض التي شهدت مولد المسيح وكذلك الشعور من قبل الأشخاص الخطاة بأن القيام برحلة الحج وتحمل مشاقها يعتبر تكفير عن ذنوبها وآثامها، فكل ذلك كان عاملا فعالا لتقنين وتنظيم وتدخل البابوية بمنح الأذون في القيام برحلات الحج إلى الأراضي المقدسة، وإلا سيعتبر الحج لاغيًا إن لم يكن بتصريح من البابا!، وما ثَمَّ غفران إذن
وظهرت على الجانب الآخر بالتأكيد آراء أخرى أطلقها رجال الدين المسيحي، فالقديس الأشهر: أوغسطين قال أن التقرب لله بالحب أفضل من السفر الطويل، وقال آخر: أن عملية الحج لا تجدي في شيءٍ، وأنه لا فائدة من الارتحال إلى بيت المقدس: تلك المدينة المليئة مثل غيرها من المدن بالتجار والعاهرات والأشرار!، وقال قدّيس آخر أنه لا يشجع القيام برحلات الحج إلى الأراضي المقدسة لأنها تعتبر إحدى الصور المتبقية من العادات الوثنية!، وقال القدّيس جيروم: إن الوصول للجنة من إنجلترا أسهل من الوصول إليها من بيت المقدس
هناك دائمًا جانب آخر
:D
وتخيلوا الأمر، أنا حاج مسيحي إلى الأراضي المقدسة، عانيتُ الأمرّين، من مشاق السفر وطوله، وهجمات القراصنة، وبعض المسلمين علينا خلال الرحلة، ورؤية البعض منهم لهذا الهجوم على انه جهاد في سبيل الله، (ومن شيوع هذه الهجمات والسرقة وسلب الحجاج أصدر أحد السلاطين المملوكين قرارًا بإعفاء الحجاج الذي يتم سلب أموالهم وسرقتهم من دفع رسوم دخول كنيسة القيامة!)، وكذلك بصفتي حاج مسيجي فقد أدى هذا التصوير الدائم من قبل كنيستي في دياري إلى أن الأراضي المقدسة التي وُلد فيها السيد المسيح عليه السلام، تقع في ذلك العصر في إيدي المسلمين، الذين ينظرون – بطبيعة الحال – إلى المسيحين نظرةَ دونية، إذن فإنني كحاج أو راغب من الحج إلى تلك الأراضي المقدسة، أقف بكل يقيني مع كلمات البابا أوربان الثاني الذي أشعل بكلماته الحروب الصليبية صائحًا: هذا ما يريده الرب!
نعم!، سأصيح معه!، فالحروب الصليبية لديَّ كحاج مسيحي هي استخلاص أرض المسيح لأهل ديانته، لا لأغراب يسلبون منه بإلحاح إلوهيته ويجعلونه بشرًا رسولا وحسب!
فيقول الكتاب: وهكذا جاءت الحركة الصليبية تطورًا منطقيًا لحركة الحج المسيحي، ويدلل على ذلك أن المعاصرين لم يفرقوا في البداية بين الحج والحملة الصليبية، إذ كان الخط الفاصل بينهما رقيقًا للغاية
.
.
وأيضًا لعب وقوع الأراضي المقدسة بين أيدي العرب إلى استعمالها كورقة ضغط، فحدث ان أغلق أحد السلاطين المملوكين كنيسة القيامة أمام الحجاج أثرًا لمعركة سياسية قامت بينه وبين مدينة البندقية (محتكرة حركة الحج في العصور الوسطى)، وأدى ذلك إلى نتيجة مؤسفة، لأن أحد ملوك الحبشة غضب من إغلاق الكنيسة،، وقتل لذلك عامة من في بلاده من الرجال المسلمين واسترق نساءهم وأولادهم، وهدم ما في مملكته من المساجد
هذا يحدث!
وهذه الفقرة تثير الدهشة!، قال المؤلف: وفي الواقع فإن إرسال قوة حربية من مصر إلى الأندلس، كان أمرًا متعذرًا في تلك الفترة، نظرًا لأن الحرب المملوكية التكرية التي بدأت في عام 1483م – 888 هـ، واستمرت حتى عام 1491م – 897هـ، كانت على أشدها، وهكذا لم تجد الدولة المملوكية بدًا من الضغط السياسي وسيلة لنجدة غرناطة، وتمثل ذلك في إشهار سلاح التهديد بإغلاق كنيسة القيامة وهدمها، ومنع حركة الحج في وجه الأوروبيين، لتشد بذلك على ملوك أوروبا لعلهم يكفوا أيدي فرناندو وإيزابيلا عن إيقاع غرناطة، ولكن ليس في تصرفات حكومة مصر يومئذٍ ما يدل على أن السلطان قد نفذ وعيده بهذا الشأن
:(
هذا رغم الهزيمة الثقيلة وسقوط غرناطة
وفي حادثة شبيهة أخرى وبعد التهديد استخدام نفس السلاح السياسي ضد ملكي إسبانيا والبرتغال، وإغلاق وهدم بيت المقدس، حدث أن خبر هذا الوعيد وصل إلى البابا، فأرسل خطابًا إلى الملكين، ملك إسبانيا والبرتغال، لأن تهديد السلطان المملوكي قد أفزعه، ولكن الذي حدث وبعد التجارب السابقة بالتأكيد، حدث أنه أرسل الملك البرتغالي إلى البابة رسالة يخفّض فيها من روعه ويقول فيها أنه ليس ثمة داع لأن ينزعج لهذا التهديد الذي جرت السلطنة المملوكية على توجيهه لملوك الفرنج كلما ألمّ بها خطب او حادث، وهو يرجوه ألا يعير هذا التهديد أي أهمية!، نظرًا لحرص السلطان على الإبقاء على العلاقات التجارية مع تجار الفرنج!
shit!
:D
.
.
وهذه الصورة تمثل تصويرًا انطباعيًا لما يتجشمه الحاج في العصور الوسطى وهو في طريقه إلى الحج:
ولكنها ليست الصورة الكاملة، فالمؤلف يقول في ختام حديثه عن استعراض متاعب السفر البحري:
ولعل ما سبق ذكره عن الحياة اليومية للحجاج على متن السفن التي نقلتهم عن فلسطين، يثير التحفظ، فنحن نجد العديد منهم وهم يترنحون من السكر، ويقامرون بدرجة تنتهي بهم إلى الحاجة والعوز، وعدم استكمال الرحلة ونزولهم في إحدى الموانئ، وذلك لعدم تمكنهم من تسديد النصف المتبقي من قيمة الرحلة، والذي كان يتم دفعه لربان سفينة الحجاج بمجرد وصولهم إلى يافا؛ وهم من ناحية أخرى يتشاحنون ويتعاركون، ويكاد كل منهم أن يقتل الآخر، وهم كذلك يسرقون بعضهم البعض، ومثل هذه التصرفات، وغيرها، لم تكن قاصرة على الحياة التي حياها الحجاج فوق السفن، وإنما استمرت وسلكوا مثلها في مزارتهم المقدسة، ولا سيما كنيسة القيامة – قدس أقداسهم – وإن ذل ذلك على شيءٍ، فإنما يدل بوضوح على ضعف النزعة الدينية المحركة للحجاج للقيام بهذه الرحلة، ويؤكد على أن العدد من حجاج الفترة الزمنية موضوع البحث، إنما قاموا برحلة الحج بدافع الخيلاء والتفاخر واكتساب اللقب فحسب