شَقَ الجفونَ السُّودَ وَاِستَلَّ من الليلِ الفَلَقْ واستخرجَ الإنسانَ مِنْ محضِ رياءٍ ومَلَقْ مفرّعًا من فَمِهِ سرَّ البيانِ .. فنَطَقْ وجاعلاً بين حناياهِ فؤادًا .. فخَفَقْ بثَّ القُوَى فيهِ دَمًا أحمرَ، أو عظمًا يَقَقْ من عَدَمٍ لعَدَمٍ ومن عناءٍ لرَّهَقْ سبحانه كم ألهمَ العقلَ جنونًا وحَمَقْ يشكُّ ما يحيا، وإنْ أشْفَى على الموتِ، فَرِقْ!
.. زارني أحد أصدقائي الشعراء الممتازين ومال علي وسلم إليَّ كراسة صغيرة فيها شعر مخطوط، وهمس فـي أذنـي أن فـي هـذه الكراسـة شـعراً نـادراً، فأخذته منه وفي نفسي ارتياب، ولكني ما كدت أقرأ بيتين حتـى أغلقتهـا باحترام إلى حين ، منتظرًا أن أخلو بهـا ولـيس بيننـا ثالـث! وفعـلاً خلوت بها ذات ليلة إلى مطلع الفجـر، وتكـررت تلـك الليلـة، أجـل تكررت: والشعر العبقري كالغانية العبقرية الجمال، متعة وسحر ودوار وخيال ، وظمأ ثـم ريّ، ثم ظمأ وسفر مع النجوم ، وانتقال إلى اللانهاية، ورحيق لا ينسى وعبـق ينصبّ في ذاكرة الروح، ولكني على ضنّي بهذه الكرّاسة أشفقت من أن أكون أنانيً في حرصي على هذا الجمال، فصرت أقرضها لأصدقائي الذين يتذوّقون الشعر العالي، فكانوا يستبقونها لديهم ويتعبونني في استردادها منهم، وأخيرًا طغت عليَّ أنانيتي، وامتنعت عن اعطائها لمن يطلبها بعد أن ذاعت شهرتها في دوائنا الخاصة، غير أن أصـحابها الأصـليين جـاءوا لاسـترداد وديعتهم، فماطلـت حتـى هـؤلاء، وانهالـت علـي الخطابـات مـن مصـر والسودان، فأحياناً كنت أدّعي أنها فقدت وأحياناً أداور، ثـم لنـت أخيـراً بشرطين الأول أن أحاضر عن التيجاني فـي النـادي السـوداني والثـاني أن أكتب مقدمة لديوانه فـلا الأول ولا الثـاني أراد االله أن يكـون، وصـدر ديوان إشراقة ثم بزغ ثم اختفى وتخاطفته أيد قليلة، ثم لم يعد له أثر.
..
صاحب الشعر هو التيجاني في ديوان إشراقة هذا، وصاحب الذكرى هو شاعرنا الجميل إبراهيم ناجي، ولا عجب، إنما يقدرُ الكرامَ كريمٌ، ويُقيمُ الرجالُ وزنَ الرجالِ، وكانت كلمته هذه أيضًا هي بداية معرفتي بالتيجاني والتطلّع لقرائه ديوانه، وكان أنه نسخ هذا الديوان وهو لم يتمّ الثانية والعشرين من عمره، ثم توجّه بنفسه إلى هيئة المطبوعات ليطلب الإذن بنشره، فيجاب إلى ذلك، ولكن يموت بداء الصدر وهو في الخامسة والعشرين، وبعد أن أضاف عدة قصائد أخرى إلى مخطوطة ديوانه دون أن يفرغ لطبعه بعد، ومنها قصيدته الأخيرة بعنوان "على فراش الموت"، والتي منها وصفه لآلام الداء الذي كان ينهش فيه: بتُّ استنشقُ الهواءَ اقتسارًا نَفَسٌ ضيّقٌ وصدرٌ نِطَاقُ وحنايا معروقةٌ، وعيونٌ غائراتٌ، ورجفةٌ ومُحَاقُ
وتلك القصيدة الطويلة كانت تحيّة أخيرة منه إلى صديق مقرّب كان يواليه في مرضه، وأنهاها، وأنهى الديوان جميعه، بهذين البيتين المؤثرين كثيرًا: فاحتفظها ذكرى فإنْ متُّ فاقرأْ بينها الحبَّ ما عليهِ مذاقُ أو حييْنا فسوف نقرأُ فيها فترةً لا أعادها الخلّاقُ
رحمه الله، وشعر التيجاني مؤثر وبليغ، وكأنه وُلد شاعرًا وكبيرًا، فليس فيه ما قد يتوقّف فيه أحد أمام ديوان لشابّ صغير ينشر كتابه الأول ليقول عند هذا أو ذاك إن هذه فيها أثر البدايات الخجولة، نعم يظهر تأثّر التيجاني الكبير بشوقي في أكثر من قصيدة، وأحيانًا كان لا يحاول إخفاء هذا، فعندما وصلت إلى قصيدته التي يقول في بدايتها: أهلاً بجبّار الجهودِ يطلٌّ مِنْ غُرَفِ السماءِ ملوّحًا بكتابِهِ
قلت إنّ المحاكاة ظاهرة لقصيدة شوقي عن توت عنخ آمون ووفاة مكتشف مقبرته، فهذه "الجبار" من قوله: ما آبَ جَبّارُ القُرونِ وَإِنَّما يَومُ الحِسابِ يَكونُ يَومَ إِيابِهِ
ثم أكملت فوجدته يستعير واحدة من أبرز كلمات قصيدة شوقي تلك فقال من قصيدته: أفضى إلى المرآةِ أو أفضت به للمكبرين عُلاهُ من أترابهِ
مما يصعب إخفاء التأثّر فعلا ^ـ^ إذا قال شوقي في بيت معجز يصف لحظة كسر المستكشف لختم باب مقبض باب مقبرة توت عنخ آمون الدالّ على أنه لم تمسّه يد ناهب من قبل: أَفضى إِلى خَتمِ الزَمانِ فَفَضَّهُ وَحَبا إِلى التاريخِ في مِحرابِهِ وَطَوَى القُرونَ القَهقَرَى حَتّى أَتى فِرْعَونَ بَينَ طَعامِهِ وَشَرابِهِ
وهذه الكلمة في هذا المعنى، والمعنى كله، أثارت إعجاب أو حسد حافظ إبراهيم أيضًا، فقد رُوى عنه أنه كان يتمنّى لو كان هذان البيتان له بما شاءوا من شعره، ومع أن هذا البيت كان في منتصف قصيدة شوقي إلا أن حافظ وفي قصيدة مبايعته له وهو يعدّد كبار قصائده ويذكر مطالعها، جاء عنده فذكره وحده وكأنه مطلع القصيدة: أَ"أَفضى إِلى خَتمِ الزَمانِ فَفَضَّهُ" مِنَ الوَحيِ وَالإِلهامِ أَم قَولُ لَوذَعي؟!
وهذا لا يعني أثر البدايات من الضعف والتلمذة، ولكن التأثر فقط، وهو له قصائد يحلّق فيها عاليًا وحده، منها تلك الأبيات التي استجادها عثمان أمين، دكتور وأستاذ وكاتب الفلسفة المعروف: الوجودُ الحقٌّ ما أوسعَ في النفسِ مداهْ كلّ ما في الكون يمشي في حناياهُ الإلهْ هذه النملةُ في رقّتها رَجْعُ صداهْ وهْو يحيا في حواشيها وتحيا في ثراهْ وهْي إن أسلمتَ الروحَ تلقّتْها يداهْ