بادئ ذي بدء، هذا الكتاب تقييمه-وقت كتابتي المراجعة- 4.33، ويبدو أنني أول من سيقيم الكتاب بتقييم أقل من ثلاث نجوم صراحة كنت أود تقييمه بنجمة واحدة لأن كاتبته امرأة! نعم؛ لأن الأنثى- من حيث هي أنثى- حين تتوفر لها الفرصة والقدرة والعلم للدفاع عن قضيتها وقضية غيرها من النساء، فيجب أن يأتي هذا الدفاع بقوة وحزم واقناع لا أن يأتي على استحياء. لكن صراحة الكتاب يستحق نجمتين من حيث القضية المطروحة، والعرض الموضوعي لمختلف آراء المذاهب في هذه القضية وحجة كل منهم رغم صغر حجم الكتاب لذا آثرت أن أكون حيادية واقيمه ما يستحق، ولا أجعل لعصبيتي-التي دائمًا تغلبني في هذا الموضوع-مجال لنأتي للكتاب؛ الأبعاد النفسية والأجتماعية في النظر الفقهي (ولاية الفتاة البكر العاقلة أنموذجًا)؛ مممم نسوية بنكهة فقهية!
الكتاب مكون من ثلاثة مباحث خصصت الباحثة المبحثين الأول والثاني، للأبعاد الشرعية ورأي المذاهب الفقهية-المالكية والشافعية والحنابلة- لاعتبار كلمة المرأة في عقد النكاح وهذا هو موضوع المبحث الأول، ثم اعتبار رضا الفتاة البكر البالغة العاقلة في عقد النكاح وهو موضوع المبحث الثاني، واختلاف مذهب الأمام أبي حنيفة مع ما ذهبت إليه المذاهب الآخرى من حيث أنه "لا نكاح إلا بولي" وجواز إجبار البكر العاقلة على الزواج! ولم تكن هذه الآراء لتشكل لي صدمة بالمرة، بعد أن بدأت الكاتبة البحث بتعريف الولاية عند الفقهاء من حيث أنها؛ حق تنفيذ القول على الغير شاء أم أبي، بسبب عجز ذلك الغير، أو قصور أهليته من التصرف بنفسه هذا بالطبع لأن النساء عاجزات غير مؤهلات للتصرف بأنفسهن! عرضت بعد ذلك آراء الفقهاء وأدلتهم من الأحاديث والسنة النبوية، يختلفون أحيانًا في صحتها وأحيانًا يختلفون في تأويلها
عرضها-مشكورة- في المبحثين كان موجز ومفيد، لكن المبحث الثالث-وهو الذي يتحدث عن البعد النفسي والاجتماعي بعد أن ناقشت البعد الشرعي- فكان من المفترض أن تضع الباحثة ها هنا أصبعها على بيت القصيد وهو أنه أصبح لزامًا مواجهة الجمود الفقهي، خاصة وأن أغلب الآراء الفقهية ولا سيما فيما يتعلق بالمرأة كان يحكمها عادات وأعراف اجتماعية
فالكاتبة حتى وإن اعترفت أن "المرأة التي يتحدث عنها الفقهاء في تلك العصور والتي كان دورها في الغالب منحصرًا في داخل بيتها، ولم يشهد لها زمنًا حضورًا أو مشاركة كبيرة في التنمية الاجتماعية غير امرأة اليوم التي وصلت لأعلى المناصب والمراكز العلمية والإدارية تاركة خلفها بصمة عميقة الأثر لا يمكن إنكارها في جميع المجالات. امرأة كهذة كيف يملك المجتمع عدم الاعتراف برشدها وقدرتها على التصرف واتخاذ القرارات لغيرها فضلاً عن اتخاذها لنفسها من باب أولى. فالقضية لا تعدو عن كونها عرفًا اجتماعيًا لحالة نفسية للجنسين في وقت معين تغيره الأعراف والحراك الاجتماعي"
رغم ذلك تجدها تبحث في إشكالية الجبر على الزواج، ناسية أو متناسية أنه لا جبر في الزواج إلا بترخيص الولاية، وعليه فإن الإشكالية الأساسية التي كان عليها طرحها ومن ثم إيجاد الحلول لها؛ هي الولاية على البكر البالغة العاقلة واستغلال بعض الأولياء "شرعنة" الولاية في فرض الرأي والتسلط والقمع..إلخ
مشكورة الباحثة في عرض القضية والآراء من حولها لكن لازلت لا أستطيع تقبل "المرونة" في طلب الحقوق، صراحة أنا لا اعترف بأنثوية امرأة إذا لم تكن جبروت! ولا أرى جدوى في حق يُطلب باللين الحقوق تُنتزع!
يتكون الكتاب من ثلاثة مباحث، المبحث الأول والثاني كانا تقليديين لدرجة كبيرة من ناحية عرض الأدلة وطرح آراء المذاهب وتصنيفها في موضوع رضا البكر العاقلة و اعتبار كلمة المرأة في عقد النكاح . الإضافة الحقيقية كانت في المبحث الثالث والأخير من الكتاب حيث سلطت الكاتبة الضوء على جانب غير مطروح في الدراسات الفقهية غالباً، ألا وهو البعد النفسي والاجتماعي الذي يصدر عنه الفقهاء في إنتاج فقههم، حيث ربطت المؤلفة هذا الطرح بالجانب المقاصدي للشريعة. هذه اللفتة المميزة أظهرت نتائج مميزة كذلك؛ فمثلاً : نرى كيف فهمت الكاتبة حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - : (( الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن وإذنها صماتها)) إلى أن هذا التقسييم بين البكر والثيب عائد إلى البعد النفسي لحياء البكر، وخبرة الثيب الأكثر في الحياة، وكذلك تَوصّل الباحثة بأنه حتى رأي الحنفية الذين يرون بصحة نفاذ عقد المرأة العاقلة بنفسها في عقد النكاح بعكس غالبية الفقهاء؛ وإن بدا أن هناك تعاكساً في الآراء؛ فالباحثة تُرجع هذا إلى مراعاة كلا الفريقين إلى البعد الاجتماعي والنفسي للموضوع . البحث لايعد أكثر من محاولة للفت الأنظار إلى فهم سياقات هذه النصوص والخلفية التي صدرت عنها، بالإضافة لأخذ الاعتبار للجانب النفسي والاجتماعي في مثل هذه القضايا، وأظن بأن الباحثة نجحت في هذا إلى حد مقبول جعلني انظر لهذه الآراء الفقهية نظرة مختلفة عن السابق .
3.5 وفقت الدكتوره في جمع الآراء الفقهية للمذاهب حول مسألة الولي في النكاح وكونه شرطاً مهماً لتمام العقد وبيّنت مقاصدية هذا الأمر باختصار ، بعد أن فصلت مفهوم الولي ومن يكون والفرق بين البكر والثيب وفهم المذاهب لهذا الموضوع مما كوّن فهماً لنظرة الفقهاء في ذلك الزمن للأبعاد النفسية والاجتماعية. عمل جميل ويحتاج قراءة أخرى لغير المتخصص
بحث فقهي محكم في مسألة ولاية الفتاة البكر العاقلة. ذكرت المؤلفة اختلاف الفقهاء وعرضت الآراء من المصادر المعتمدة عند المذاهب. وقد مالت إلى رأي الحنفية ورجحته كما هو ظاهر وحاولت تقليل مسافة الخلاف بين آراء الجمهور والأحناف من خلال ذكر آراء فقهاء معتبرين عند الجمهور تقارب رأي الأحناف. ويلفت النظر محاولتها لاستخراج الجانب الإنساني والاجتماعي في هذه المسألة بعد عرض آراء الفقهاء. جميل ولكن المسألة تحتاج إلى بحث أعمق وأشمل مع الالتزام بالحيادية.