وقع بين يدي هذا الكتاب صدفة بعد أن كنت افكر في قراءة مثل هذه النوعية من الكتب التى قد أجد فيها شيئًا من الموضوعية عن عبد الناصر الذى أبغضه !
ولو نظرت إلى الغلاف في خلف الكتاب لوجدته يتكلم عن سيد قطب الذى كان صديقه في حب العقاد! العنوان يقول إن هناك عيوب ومزايا حكم ناصر من كاتب كأنيس منصور والذى شعرت بأن حواديته لا تنتهى وأنه قد يكذب ويفترى ولكن في هذا الكتاب وجب علىَّ أن أكون محايدًا وأصدقه هنا بالذات كما سأصدق حديث غيره لتكون لي وجهة نظر حقيقية عن هذا الرجل الذى أبغضه حقًا لأنه ظالم, واسأل الله العظيم أن يجازيه على قدر عمله.
مقدمة الكاتب عن الرجل وصورته عند الشعب, الرجل الذى كانت أوامره وتأميمه للصحافة سببًا في إيقافه عن العمل, مقدمة قال فيها أنها كانت سببًا في اتهامه بولائه لمبارك وقتها الذى كان يستعد للانتخابات الرئاسية, والذى طالبه بالتوقف عن كتابة هذه السلسلة من المقالات فرد عليه الكاتب بأنه انتهى منها بالفعل وسيبدأ في غيرها ! لكي يعلم الشعب الحقيقة وينتبهوا من غفلتهم هذه.
تكلم عن قصته في أخبار اليوم وتدرجه في سلكها الوظيفي وعمله في الجامعة والذى كله ذهب مع منعه من الكتابة والعمل في الجامعة وكل هذا بسبب مقال شعر فيه المسؤلون بغمز من الكاتب واتهام للرئيس, مقال اسمه حمار الشيخ عبد السلام وجاء فيه رسومًا لنيرون الطاغية, ومواساة على أمين له ودعم هيكل الذى وصفه بحكمة هيكل له ونصيحته بالصبر, والسهر عند مصطفى أمين مع كامل الشناوي وحليم وغيرهم, وتنصل الأصدقاء منه خوفًا من مصير مرعب بسبب معاداة عبد الناصر للنظام أو قل موقف النظام منه! أيضًا تكلم بعد ذلك عن مقاله ووقعه في أوساط المثقفين, فالمقال يتكلم فيه عن مسرحية توفيق الحكيم والتى كانت أحداثها مستوحاة من الشيخ العز بن عبد السلام سلطان العلماء والذى أفتى بوجوب بيع المماليك في السوق ثم أن يتم عتق رقابهم لكي تستقيم لهم الأمور فيتزوجوا ويحكموا وغيرها من الأمور التى لا تصح للعبيد ! وتعليق أنيس منصور عليها والذى فهم منه الرئيس أنه رئيس للحمير! وذكر عدة مواقف مع طه حسين وعلي أمين وغيرهم معه عقب الحادثة, وموقف توفيق الحكيم وكذلك العقاد, ثم في مقال آخر وجدته يندب حظه أو يندب حاله وهو مقيد هكذا وممنوع من الكتابة ! اتبعه مقال ساذج عن الحمار وقصص مختلفة عن الحمار وحمار توفيق الحكيم واتهام الرجل بأنه سارق لفكرة الحوار مع الحمار!شعرت بالملل حقيقة في هذا المقال !ثم مقال ملئ بالهراء عن كيفية حركة عبد الناصر وأنه يحرك نصفه الأعلى وأصبعه هذا ويفعل ماذا ! ثم بلطفه المعتاد تكلم عن عودته مرة أخرى للعمل وتفاصيلها وما حدث في مكتب الوزير وضرورة أن تكون العودة عن طريقه حتى لا يحزن ثم فصله مرة أخرى بسبب مقال عن الوحدة والعزلة والتى توافقت مع الانفصال عن سوريا، ثم عودته مرة أخرى إلى العمل بعد قرار السيد الرئيس مرة أخرى ! الرئيس يأمر بالفصل والعودة والتوقف عن الكتابة ثم العودة !
تكلم أيضًا عن أحداث ما قبل النكسة والغليان والإستعداد وذهابه لرؤية الواقع في العريش وصدمته بما كان هناك بكلام اللؤاء عبد العزيز سليمان ورسالته للمخابرات، كانت حقيقة مهزلة كتبها الرجل بأسلوب ساخر! حقًا إنها كذبة كبيرة ضحك بها الديكتاتور على الشعب وجعلهم يعيشون وهمًا.تكلم أيضًا عن ما بعد الهزيمة وآلاف القتلى وملايين الجنيهات خسائر! لأن رئيسنا وقتها كان صاحب كلام لا أفعال، كان يجيد الكلام والبطش بالخلق ولكن لم يستطع حماية الجنود! يتكلم عن الحرب وإسرائيل القزم الذى يسهل تدميره كالحشرة لنجدهم احتلونا بعدها! تكلم عن مقتل سيد قطب رحمه الله بإعدامه ومقتل السادات كذلك! ثم حديث ملئ بالتشفي ضد الرجل وصل إلى حد تكفيره لأنه لا يؤمن بالكعبة ويقول على الطواف أنه كلام فارغ والعياذ بالله وهذا غير ثابت ولا أصدق أنيس منصور فيه بالمرة! مهما حدث فلا أصدق ذلك ولو صح فلا أقول بما قال به أنيس، أيضًا تكلم أن النكسة أو هزيمة يونيو كانت الهزيمة الثانية المعنوية له بعد انفصال سوريا! تكلم عن السادات ومقارنة مع عبد الناصر وكيف أن أنصار عبد الناصر الناصريين كانوا بلا فكر لأن الرجل لم يكن له فكر أساسًا على حد قوله وأنهم ينسبون كل نصر وكل شئ إلى عبد الناصر، وهو يتحدث عن دهاء السادات وكيف استطاع أن يكسب ثقة عبد الناصر.
انتقل للحديث عن نفسية عبد الناصر الذى تربى يتيم الأم وهو لذلك انتقم من آلاف الأمهات وأوجع قلوبهن، وهتلر الذى أحب أمه كثيرًا وكان يخدمها فلما ماتت انتقم من ملايين الأمهات!
وأمثلة أخرى كثيرة على نفس القياس، واستمر في المقارنة بين السادات وناصر وكيف أن السادات بسبب أنه كان دائمًا ينتصر ويذكر الناس بذلك ملّوا حديثه وكلامه ولكن ناصر لأنه يفشل مثلهم لذلك حركتهم تنحيته ورفضوها!
عجبتني جدا الفقرة دي حسيت انها قريبة مننا دلوقتي :
" ولم يحدث في أعقاب النكسة ما يحدث عادة في كل دول العالم :فتح الدفاترومراحعة الحسابات: فتح الدفاتر ومراجعة الحسابات وتصفيتها والصراع بين الجنرالات ومناقشة لأسباب الهزيمة..ومحاكمة المسؤل عن المصيبة التى حاقت بمصر والعرب..لا شئ من كل ذلك..وإنما اعتذار من الجماهير عن أنهم شكوا لحظة واحدة في عظمته وقدرته..واستجادء له أن يعود ولا يهمك يا ريس ..فداك يا ريس!
أي فداؤه مصر وشعب مصر وانهيار مصر وعار الجيش الذى ضلله ليدافع، فإذا به يأمره ليقاتل ان كان هو الذى أمر بالقتال أو الانسحاب من المعركة .تعيش وتاخد غيرها يا ريس..تدوبه في عرق العافية يا ريس ..
لا تسأل نفسك : أي شعب هذا؟"
تكلم عن دهاء اليهود وكتابة التاريخ وغيرها من الأمور كانتقاد لعبد الناصر الذى اكد على انه بلا نظرية سياسية ولا رؤية واضحة للمستقبل او سبل تحقيق نتائج ملموسة على أرض الواقع وانتقاد لمن يسمون أنفسهم بالناصريين.وتكلم عن نفاق الشيوعيين لعبد الناصر وزعمهم بأنه كان وطنيًا رغم كل ذلك والكاتب قال كمثل الذى يقبل الضرب بالحذاء ويعترض على أنه غير نظيف! هكذا كان الشيوعيون في رؤيتهم لعبد الناصر، وتكلم عن بطولة الإخوان وتخليصها لعبد الناصر من بين الحصار اليهودي في الفلوجة وغيرها من الأمور في مذكرات حسن دوح صديق الكاتب، كذلك عن أصناف العذاب التى ذاقوها في السجون، أيضًا كتاب محمد الحيوان والذى يحتوى شهادات بعدم إيمان عبد الناصر إلا بنفسه وعلى ضياع 3600 مليون جنيه بسبب حرب اليمن على مدار 1800 يوم! وهو يقول –محمد الحيوان- أن السوفيت يجب عليهم إسقاط ديون مصر ودفع ما تسببوا فيه من خسائر إلى مصر، وتكلم في سياق آخر أنيس منصور عن اليمن بالتفاصيل، كمأساة أن يخوض جيشًا نظاميًا حربًا ضد قبائل تختفى في الصحراء في الجبال ولها القدرة على القنص،فقد كانوا يضربون العساكر المصريين بالرصاص بين أعينهم في الرأس! وعن الذهب الذي كانت تقدمه مصر لزعماء القبائل في اليمن وبسكو مصر إلى الشعب اليمني، ونقل قصيدة نزار الرائعة في نقد عبد الناصر.
تكلم عن رسائل جاءت له لتصحيح وقائع معينة وكذلك رؤيته لضرورة حساب أي شخص بعد موته كما حدث مثلا في السوفيت من محاسبة استالين ومسح اسمه بعد موته وما حدث لمن بعده!
ثم تكلم بعد ذلك في أمور فلسفية عن الهزيمة والنفسية والحالة النفسية للشباب وما يشعرون به وكيف أن اليهود اغتروا بأنفسهم فكانت الخسارة بعد النصر وكذلك حال الشباب في أمريكا بعد الحرب على فيتنام والضرب بالقيم التى غرسوها في الشباب عرض الحائط فأين أمريكا الأم التى تحتضن الضعفاء وتغزو فيتنام بدون وجه حق، ليذهب بعدها للحديث عن الشباب في مصر وحال المصريين النفسي بعد النكسة وغيرها من الأمور التى لم أجد فيها مادة تستحق القراءة بعناية.
تكلم عن حال المصريين ورفضهم للفلاحة قديمًا ليكونوا أفندية ثم بعد الثورة رفضهم أيضًا للفلاحة ليكون هذا ضابطًا وغيره، وتكلم عن حال المصريين ونظرة العرب إليهم فكيف الهزيمة هي لمصر ولو كان نصرًا لكان للعرب! تحدث عن الهجرة سواء في الداخل أو الخارج وظل في مقارنات مستمرة بين العهدين بين رجل انتصر للأمة واعاد الأرض للشعب والعزة والكرامة وبين رجل ضيع كل ذلك ورغم هذا الأول مذموم والثاني تجد الكثيرين بمدحونه وينتصرون له بالباطل! ثم تكلم عن فن إدارة الأزمات واسقاطات من واقع الحرب العالمية الأولى وأمثلة للازمات وكيفية التعامل معها وقتها، انتقاده لاذعًا مرة ثانيةً وثالثةً ويؤكد أن عبد الناصر جاء مع أصحابه يقولون تارة حركة مباركة وتارة انقلابًا وتارة أخرى ثورة وهو لا يملك نظرية سياسية أو مؤهلًا لكل ذلك ولكنه حدث فساق إلى البلاد إلى حيث أصبحت فيها الأمور وقتها كما يراها الكاتب بين طيات كتابه! والرجل تجده يكاد يشعر بالجنون على سبب ما فعله المصريون في السادات وهو الذى اعاد لهم العزة والكرامة وهو الذى اعاد اليهم الامل ولكنهم قتلوه واسكتوه لانهم اعتادوا الخمول واليأس وعدم الامل! ثم حديث عن الرياضة ودخول العسكريين فيها إلى أن تم تجميد النشاط الرياضى خمسة سنوات !ثم تكلم عن السجون والاعتقال!
الكتاب حقيقة لمست فيه أنه كله افتراءات على عبد الناصر نتيجة إلى افعاله وطغيانه، وقد تشعر بأن الكاتب غير موضوعي ولا توجد حيادية فيه، ولكن هذه حقيقة الرجل وقد صادفت شيئًا في نفسي تجاه هذا الرجل الذى اكرهه حقيقةً ولكن الكاتب ليس من الحيادية أن ينافق لأن عبد الناصر كان بالفعل كما قال هو عنه في الكتاب وكما ذكرت سالفًا في عرض ما فهمته من الكتاب ولكني اعترض فقط على الشهادات التى تجرح إيمان الرجل لأن الإيمان وحقيقته في صدر الرجل لا تؤخذ من شهادات أشخاص لأنها بينه وبين ربه ولكن أفعاله وتصرفاته وقراراته ومواقفه قد مست بالأساس شعب مصر وأهلها فطبيعي أن نتكلم فيها كما شئنا وربنا يجازيه على قدر عمله!