هكذ ابتدأ المؤلف رحمه الله بكتابة قصة السيرة النبوية للعهد المكي و هو يحكي حادثة شق صدر النبي صلى الله عليه و سلم،و الكتاب من تأليف عبدالرحمن داوود العبيدي، و تقديم الأستاذ الدكتور عبدالكريم زيدان، و الأستاذ الدكتور منير البياتي، و قد يدرك الفطن منكم أن أسلوب رواية السيرة هنا مختلف جداً ، و هذا هو الأمر المميز في هذا الكتاب، فقد روى السيرة بأسلوب قصصي رائع، لم يسبق إليه فيما أعلم، فهو كما سماه قصة السيرة النبوية_ العهد المكي_ ،يأخذك فيه المؤلف لتلك الأجواء العطرة بأسلوب جميل جداً، يأخذ بالألباب، و يسلب العقول، فيه سلاسة و وضوح، سهل التراكيب و الألفاظ. و كأنك حين تقرأه، تقرأ رواية مترابطة متماسكة ،مما يجعل قرآته متعة لا يود القارئ أن ينتهي منها، و أيضا مما يجعله مناسباً للناشئة و من هم في مرحلة البلوغ.
و قد أوقف رحمه الله من عمره 6 سنين لإكمال هذا الكتاب، بهذا الأسلوب الأخاذ، و مما يزيده روعةً، أنه مع أسلوبه القصصي الجذاب، فإنه لم يهمل جانب التأصيل للأحداث القصصية، فتجده في الحاشية يردك إلى مرجع القصة و أصلها في كتب السيرة. و بالإضافة إلى ذلك فقد و فق رحمه الله إلى استنبطات رائعة و التفاتات جميلة، قل مثيلها في كتب السيرة.
-72- يقول سارتر "لم أعد أصرُّ على شيء، فقد بتُّ هادئًا".. هذا هو الموات، ولكن متى الحياة؟!، تلك الأيام الغريبة، لقد صرتُ أنظر لنفسي في تعجب بلا هدف ولا قدرة على إنهاء أي شيء، في بعض الأحيان أعلم ذلك النقص في داخلي وعدم القدرة على إقناع أي أحد بجدوى وجودي، يقول كارل غوستاف يونج "لكنني لم أعد الإنسان الذي كنت عليه.. لأن كيانًا غريبًا قد نضج في داخلي"، "ما أطيبَ العيشَ لو أنَّ الفتى حجرٌ" قاله تميم بن مقبل، أنا في غاية الحزن والأسى، يقول ديستوفسكي "كم سيستغرق من الوقت كي يفهم الناس أن هناك أيامًا تمر بالإنسان حتى الإيماء بالرأس يكون ثقيلًا عليه!"، كم أشتاق إليك، يقول خالد أبوحمدية "ماذا أسوق إلى عينيك من قدري = والعارفون لحالي في هواك رثوا! سبعٌ مضين وما تنهيدةٌ بردَتْ = على الشّفاهِ، ولم يمحُ الهوى حدثُ"، يقول بيسوا "أنا الغريب الذي تكرهه الأشياء"، وفي ظل شعوري الجارف بالوحدة وشدة اشتياقي واصلت سعيي في البحث عن امرأة، أي امرأة - كما قال نجيب محفوظ ذات مرة في مقدمة أحد قصصه البديعة - ولكن بلا جدوى على الدوام، حتى الكاسدات زهدنَ في بضاعتي، يقول باولو كويلو "بإمكان الكائن البشري أن يتحمَّل العطش أسبوعًا والجوع أسبوعين، بإمكانه أن يقضى سنوات دون سقف، لكنَّهُ لا يستطيع تحمُّل الوحدة!"، قال صاحب كليلة ودمنة: "الدنيا كالماء المالح كلما ازددت منه شربًا ازددت عطشًا"، يقول إميل سيوران "أسوأ ما قد يصيب الإنسان أن يفقد شهيته في القول، في الضحك، في إظهار ردّات الفعل، أسوأ ما قد يصيبه أن يموت حيًّا !"، تلك الغمامة من الحزن التي أظلتني، يقول محمد عبدالباري "شَيءٌ يُطلُّ الآنَ مِنْ هذي الذُّرى =أَحتاجُ دَمعَ الأنبِياءِ لِكَيْ أَرَى"، ويقول "لن ينتهي سفري، لن ينتهي قلقي، لأنني الزورقُ المنذورُ للغرقِ"، وفي ظل تلك المتاهة التي درتُ في فلكها في رحلة اللاعودة عكفتُ على ما تبقى من كتبي التي لم أقرأها منذ زمن، وبدأتُ في مجموعة كتب أخذتها من مكتب الألوكة قبل تصفية أعمالنا به، وقد بذلتْ الدار مجهودًا كبيرًا في الطباعة والإخراج لكن دون تسويق جيد، وأعتقد أن مشروع الدار سيتوقف مع تخلي "الجريسي" عن الموقع والدار كلاهما، لقد وجدتُ نفسي بين يوم وليلة في الشارع، في العراء دون أي جدوى على البكاء على اللبن المسكوب، والحصول على الجنيه هذه المرة وعلى الدوام يستلزم طأطأة الرأس أمام الأوغاد، بدأتُ بقراءة كتاب جيد في تقسيمه وأبوابه فاز بالجائزة الأولى في مسابقة من مسابقات الألوكة المستمرة وقتذاك؛ مسابقة أسموها "النفس المطمئنة" تتناول طريقة معاملة النبي صلى الله عليه وسلم مع المخالفين في العهد المكي، ولا غرو أن هدف المسابقة كان هدفًا تنويميًا بحتًا، يميل للتمويه بادعاء المحبة والسلام والصبر على الكافرين خلال السيرة النبوية، ولكن طريقة استدلال الكاتب في بحثه "المقدمات العلمية في تأصيل الأحكام المكية" وتفصيل كيفية معاملة النبي للطوائف المخالفة في الفترة المكية من أبرز ما يكون بحثًا وتقعيدًا، وأهم النتائج التي خرج بها من أن كل تشريع مدني مبني على أصل مكي وأن أغلب القواعد المكية هي من قبيل الأحكام العامة في الدين والنسخ فيها مدفوع والعموميات المكية هي أقوى عموميات الشريعة تعد استدلالات طيبة في مجموعها، انتقلتُ بعدها لقراءة كتاب "الكلمة القرآنية وعربية اللسان" لمحمد أديب صالح والجزء الأول - الذي يثبت أنه لا يوجد في القرآن لفظات أعجمية وأن غالب المعرب فيها هو من قبيل توسع لغة العرب واحتضانها لمزيد من المفردات بعد تعريبها وتحويلها عن ألفاظ العجم لكلام العرب - جزءٌ جيد في مجملة ونقولاته، أما باقي ذكر الآيات الصريحة في موضوع عربية اللسان وتفسيرها باستقصاء آراء المفسرين - وهو الذي استهلك معظم صفحات الكتاب - فأمرٌ زائد عن الحاجة ولم يقدم فيه الكاتب أي جديد؛ كما لو كان الكتاب نقل وحشو متوسع، انتقلتُ بعدها لقراءة كتاب "دوحة القرآن" وهو مجموعة من المقالات في موضوعات قرآنية ومباحث تفسيرية منوعة منتقاة من جمهرة مقالات شبكة الألوكة، وهي متوسطة القيمة وبعضها خرج عن سمت المقال القصير ليصير أشبه بالبحث الطويل المتفلسف، غير أن مقالات الجزء الخاص بالإعجاز تعد طيبة لا بأس بها وخاصةً ما ورد في قضية الإعجاز العلمي وعلومه الحديثة، قرأت بعدها مجموعة مقالات طيبة من منشورات الشبكة للدكتور سعد بن مطر العتيبي في مقدمات السياسة الشرعية وأصولها بعنوان "أضواء على السياسة الشرعية" قام بالتوليف بينها وربطها ببعضها البعض في تفسير المعني بالسياسة الشرعية والفرق بينها وبين السياسات الوضعية، والكتاب مقدمة طيبة لمن أراد التبحر في علوم هذا الفرع، انتقلت بعدها لقراءة كتابي أريج الطباع - المستشارة بقسم الاستشارات بشبكة الألوكة - بعنواني "هل ارتكبنا حماقة؟ كتاب تفاعلي عن الزواج" وكتاب "فكر! قد نكون مكانهم" والكتاب الأول رغم أنه كتاب يعتمد على مشاركات الزوار وآراء الجمهور إلا أنني لم أفهم الكثير من لغة "أريج الطباع" الشاعرية الغامضة ولا كلام العديد من الزوار الذين خلطوا بين تهويمات أريج الطباع في عناوين مواضيعها الرئيسة وتجاربهم الذاتية المبتورة، والكتاب أشبه بأشلاء ممزقة ونتف ممزعة، ورغم أن الكتاب الآخر وهو تجميعة لمجموعة من استشارات الشبكة عن الزواج ومشاكله تجيب فيها "أريج" على مشاكل الزوار، وهي إجابات جيدة متزنة للغاية عرَّفَتْ بقلم "أريج الطباع" ومن قبلها "عائشة الحكمي" إلا أن الكتابين لم يقدما الجديد عن أزمة الزواج في بلادنا العربية ولا ما أحدثته ثورة التكنولوجيا المعاصرة في انهيار بيوتنا الاجتماعية، الزواج صار حفنة ألقاب اجتماعية للهروب من لقب العانس والأعزب للفتاة والشاب لا أكثر، ولم تتغير عقلية الطرفين إلا لمامًا، وأغلب البيوت تقوم على ملء البطن والاستنطاع على الوالدين والأقربين، خيَّبَ قلم "أريج الطباع" آمالي الواسعة للأسف الشديد، قرأتُ بعدها كتاب جيد للدكتور "وليد القصاب" عن "المذاهب الأدبية الغربية رؤية فكرية وفنية" والكتاب جاء سريعًا للغاية بمقالات قصيرة متزنة عن المذاهب الأدبية الغربية ومقارنتها بالفكرة الإسلامية للأدب؛ وهذه المذاهب من أمثال: الكلاسيكية والواقعية والرومانتيكية والبرناسية والسريالية والرمزية والوجودية والحداثة، والكتاب طيب في مجمله العام، وأعجبني التعريف السريع بكل مذهب في بضع صفحات تضع الخطوط العامة لمزايا ومثالب كل مذهب في وقته، قرأتُ بعدها سريعًا مجموعة مقالات لزيد الفياض عن "الدين والعلم" و"الوحدة الإسلامية" ورغم أنها سلسلة مقالات كتبت في وقتها عن معاصرة مشاكل المسلمين في أقطار شتى كنيجيريا وكينيا وقبرص والهند وباكستان إلا أن آثارها المزمنة ما زالت كما هي في تلك الأقطار لم تتغير كما لو أن الزمان لم يستدر وتوقف عن الدوران، لله الأمر من قبل ومن بعد، قرأتُ بعدها مجموعة مقالات متفرقة للدكتور لطفي الصباغ بعنوان "إضاءات دعوية على أحداث من السيرة النبوية" ولغته بسيطة سلسة غير أن الكاتب يخرج عن موضوع عنوانه لموضوعات جانبية طيلة صفحات الكتاب تتصل بالسيرة النبوية أيضًا، قرأتُ بعدها كتاب من أمتع قراءاتي على الإطلاق، سيرة أدبية رائقة للعهد المكي حيث لم يمهل قدرُ الموت الرجلَ ليكمل السيرة النبوية حتى نهايتها، ولكن ما كتبه ذو مذاق لذيذ، شهدٌ مُذَاب أو عسلٌ مُصفَّى، السهل الممتنع كما يقولون، لوحات خاطفة من أحداث السيرة النبوية كتبها "عبدالرحمن داود العبيدي" في كتابه "قصة السيرة النبوية" بأسلوبه الرائق وعاطفته الصادقة لتصل للقلوب من أقصر طريق وأيسره وأسلسه، لله درّه، ظللت مستمتعًا حتى الوصول لآخر صفحة في كتابه وتوقفتُ كما لو أن الموت قد باغتني أنا قبل أن أتم تلك السيرة النبوية العطرة في عهدها المدني، سبحان الله، وخير ما استفدت منه ربط الأحداث بنزول الآيات المكية مما يدل على سعة استذكار الكاتب لعلوم التفسير واطلاعه على مطولات السيرة، قرأتُ بعدها كتيب صغير للدكتور خالد الجريسي بعنوان "تيسير السيرة" يصلح كمذكرة صغيرة لاستذكار السيرة وأحداثها بأسلوب بسيط، وانتهيت من سلسلة قراءاتي لتلك السلسلة من كتب الألوكة بقراءة مطبوعة "انصر نبيك وكن داعيًا" وهي خمسة كتب مميزة بغلاف صلب أنيق واحد يضمها تتناول الرد على الرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم عام 2009 والتعريف بالإسلام والنبي الكريم للجماهير الغربية، لعلني نوهتُ من قبل على قيمة بحث علمي بعنوان "هكذا أسلمت؛ بحث عن الحقيقة لمدة عام" لـ(بنت مريم)، أعجبني فيه روح المقارنة الابتكارية بين الأديان وأسلوبها الأدبي العلمي القوي للغاية، وتعد هذه المجموعة من الكتيبات هي باكورة مطبوعات الألوكة ومن أقيمها، ابيضَّ شعري بين ليلةٍ وضحاها، وصرتُ لا أقدرُ على شيء، أنا الذي متُّ من قبل ولم أعد أهاب الموت صرتُ أهابَ الحياة، لم يعد الموت يهابني وأصبح ينظر لي في شفقة مقيتة، واعتدتُ على آلامي الداخلية، جاء في أحد روايات مكسيم جوركي "من أين يَستَقي الناس تلك القوى كي يتحملَّوا هذا العذاب الأليم؟ تُجيب بيلاجيا، وهي تتنهد:- إنهم يعتادون عليه!"، لا أجد أي وقت لأي شيء، صرت أعمل عشر ساعات في اليوم والبقية أحاول فيها النوم والذهاب لعملي الحكومي ولكن دون جدوى، وجوه النساء جميلة للغاية لكن دون أي غاية والمحصلة واحدة، أطالع في أحلامي عوالم سرمدية من السعادة، دومًا أتخيل نفسي سعيدًا ولكن في عالم الخيال، يقول فرويد "الناس لايريدون أن يكونوا سعداء بقدر سعيهم إلى تجنب الحزن"، ويقول بنان مرزوق "يكون المرء سعيدًا خارج وعيه"، يقول علي عزت بيجوفيتش "الحياة شيء خطير.. عدم الاستقرار هو ثمن العيش.. الذين يموتون هم الذين يشعرون بالاستقرار، أو بالأحرى أولئك الذين لم يولدوا"، يقول محمد عبدالباري "في الموسمِ الآتِيْ مزادٌ مُعلنٌ = حتّى دَمُ الموتى يُباعُ ويُشتَرَى"، ويقول المعري "ولمّا أنْ تَجَهّمَني مُرادي = جَرَيْتُ معَ الزّمانِ كما أرادا، وهَوَّنْتُ الخُطوبَ عليّ حتى = كأني صِرتُ أمْنحُها الوِدادا"، لكم أشتاق إلى رؤياك، يقول تشيزاري بافيزي "الحب مثل بركة الله: لا تنفعُ معه الحيلة".
رحمه الله رحمة واسعة ، صاغ العهد المكي صياغة أدبية روائية تجعلك لا تترك الكتاب حتى تنهيه ، ويظهر لك علم المؤلف الغزير بالسيرة والأنساب خصوصاً ، من طباعة دار النفائس الأردنية ، كتاب يستحق الاقتناء ، والقراءة مراراً .
الكتاب جميل ومتعوب عليه ما شاء الله وحزنت في نهاية الكتاب أن المؤلف توفي قبل إنهائه هذا العمل اللهم اجعله في ميزان حسناته فكرة سرد السيرة بهذه الطريقة جميلة جدا اتمني أن أري نموذج مشابه لهذا أوتي من البلاغة والعلم ما يجعله يسرد القصص النبوي بدون إخلال ولا تعدي
الكتاب عمل رائع وجميل يتناول العهد المكي للسيرة النبوية في شكل رواية أدبية مشوقه ونظرا لوفاة الكاتب قبل الانتهاء من كتابته فقد استكملت كتابته بأسلوب مختلف سردي اكثر منه روائي ولكن يظل الكتاب له رونقه المختلف عن كتب السيرة الأخرى