تتداخل لقطات أحداث الرواية بكل ما فيها من مشاهد، في بناء مسارات سردية، تتألق في رحابها نشوة "إمرأة الرسالة"، وهي تكتب رسالتها المطولة بصيغة المتكلم عن تجربتها في لحظات السعادة، والقهر، والصراع، والضياع، وخيبات واقع الاحتلال المهين، والتنقل ما بين حيفا، وعكا، ويافا، وعمان، ولندن. تكشف " نشوة " في رسالتها بكل جرأة وشفافية، عبر منبسطات حسية عارمة،عن تفاصيل أحوالها العاطفية، والروحية الدفينة، بما في ذلك تقلباتها في علاقاتها مع أكثر من رجل، "هربها من واحد الى اخر"، وتعلقها بالمخرج المسرحي، وقلقها من مطاردة النساء له، وارتباطه بامراة أجنبية شقراء، له أبناء منها. حَلَّقْتُ في قراءة هذه الرواية، وغُصتُ في أعماقها من حيث المبنى، والمعنى والرؤية، ووجدتها متميزة في لغتها وأسلوبها الحداثي، وبكل جوانبها التقنية، والفنية (سردا، وصفا، زمانا، مكانا)، مما ساعد على ترتيب فعاليتها النصية بإنجاز بنائي متقن، تكاملت به العتبات النصية ببراعة فائقة، خاصة العنوان الذي هو من أهم هذه العتبات، فقد وفقت رجاء بكرية بتحديده كدالة متوافقة مع النص توحي بصفات أنثوية رقيقة، وهذا على جانب كبير من الاهمية لما في العنوان من قدرة إغوائية لدفع القارئ في مسالك الرواية. كما وفقت على عتبات النص باستخدام لغة شاعرية شفافة مطواعة تتسم بالبساطة والجمالية، والتناغم مع أجواء الرواية وأحداثها، مع تميز واضح في استحضار تشبيهات مستحدثة، واعتمادٍ على أسلوب " السرد" بصورة خالصة، مع تداخلات محدودة يمتزج فيها السرد بالحوار، وفيض من التساؤلات حققت قدراً كبيراً من التأنق في سياق صور سردية ممتعة فنياً وجمالياً. كذلك وفَقَت في بناء شخصية تَخَيُّلِيَّة للراوية نشوة "امرأة الرسالة"، كقطب تلتف حولها خيوط الاحداث، جعلت منها إمراة عصرية قادرة على البوح بجرأة بكل تفاصيل علاقاتها العاطفية بما فيها من تقلبات وتداعيات من خيانة، وشوق، وجنس، وهجران، كما جعلت منها في الوقت نفسه مدافعة باقتدار عن بنات جنسها، بتعليقات تبين قدرتهن الفاعلة، كقولها" النساءهن من يسبغن الخصوصية على الرجال". ولان الرواية مكثفة بمشاهد تاثيرات وإفرازات مختلفة، تترامى على أطراف أمكنة كثيرة، وفقت الكاتبة باستخدام تقنية بنية الترجيعات السردية إلى مشاهد زمنية سابقة، ضمن الأبعاد المكانية المختلفة للأحداث. وثمة جانب آخر تتميز به الرواية، يتجلى بأدوات "الدعابة السوداء" التي توظفها الكاتبة في أجزاء مختلفة من النص، بضحكات مريرة ساخرة، وهي كما يقول فرويد، "تضيف قدراً من التسامي والارتفاع "للأنا" الرافضة للقهر والمذلة" واضيف إليها أيضا الرافضة لمعاناة الاحتلال والواقع العربي المهزوم. في هذه السياقات الابداعية اهتمت رجاء بكرية بالبعد المكاني، بالمحددات الجغرافية الفلسطينية، في رحاب حيفا، وعكا، ويافا، وتميزت بقدرة فنية في استحضار البحر موجة موجة، ورسم الشوارع، والمحلات، والحدائق، ومكاتب البريد، ومزاريب البيوت، وحجارة مداميك سور عكا حجرا حجرا، بكل تفاصيلها وإشاراتها مهما بدت صغيرة أو عابرة، عبر مفارقة تصويرية محزنة، عكست بها حالة التناقض الصارخ ما بين المظهر العام لكل هذه التفاصيل في وطنها وحقيقة واقعه المرير، قائلة "فلسطين لم تعد فلسطين، ويافا، وعكا لم تبقيا مدينتين بيدين ممدودتين الى فوق، بل "يافو" و"عكو" بيدين مكتوفتين فوق الصدر، ومستسلمتين
يتحدّث النص عن "نشوة"، تلك المرأة المفعمة بالأنوثة والتي أهملت من قبل زوجها الأول، ثمّ، بعد هجره لها تفتّحت شهوتها على الدنيا مع غسان الفنان"..
والسجين السياسي، وانطلقت تلهث وراء جوعها الجنسي مع كاظم خيبر في لندن. لكن هذه القصة الغنية بالأحاسيس الأنثوية والشهوات والحريّة الكاملة، هي قصة نبش في محارة داخلية، لا تخرج إلى السطح. وكأنّ الواقع المحيط بالراوية/ البطلة مغيّب لا أثر له يذكر في بلورة شخصية البطلة، أو في تحريك أحاسيسها وانفعالاتها وترشيد ردود فعلها وتصرّفاتها، أو في رسم اندفاعاتها وشهواتها. الواقع الخارجي مغيّب وكأنّ البطلة تعيش داخل محارة مغلقة متقطّعة عمّا يجري، وهذا الأمر، أعني الانغلاق داخل المحارة ودهاليز العالم الجوّاني للشخصيّة، وعمليّة الاستبطان الدائمة تجعل الرواية/ النص، ذات إيقاع بطيء رتيب في معظمها، عدا الجزء الأخير. فنحن أمام أحداث مستحضرة من الذاكرة كما أسلفت، تقوم فقط على جانب واحد، على علاقة الروح والجسد مع غسّان. إنّ شريط القص قصير، رغم كبر حجم النص، وهذا الشريط يفتقر إلى بنية دراميّة متوتّرة مأزومة، ذلك لكونه منذ البداية يطرح مأزومه ويناور عليه أي على نفس المحور، وعلى ما يبدو، فقد شعرت رجاء بهذا الأمر، اعني برتابة البنية وبطء الإيقاع، لذلك تجدها تستعين على سدّ الثغرات الدرامية والحكائية والتحايل على ذلك، بتوظيف اللغة كمعادل، والاستنجاد بالوعاء الاستعاري المكثّف الجميل وبالصور الموحية المتلاحقة وبالتلاعب اللفظي. ولكنّ هذه الأمور، على أهميّتها وجماليّتها، بدلا من أن تؤدي وظيفتها بالشكل الصحيح، بسبب الإفراط في استخدامها، أدّت إلى عكس المرجو منها، أدّت أحيانًا إلى بعثرة البنية السردية وإلى تشظّيها، بحيث صار من الصعب على المتلقي لملمتها ووضعها في مسارها الصحيح، هذا من جهة، ولأن الوعاء الاستعاري والصّوري جميل يأخذ المتلقّي إلى مباهج اللغة ويشدّه إلى مفاتنها فيروح يلهث وراء تلك الصور التي تنقله إلى مناطق الشدهة، بحيث ينسيه هذا اللهاث البنية السردية ويضر بانسيابيّة البنية الحدثيّة، من جهة أخرى، ورجاء بكرية هي واحدة من القلائل الذين/ اللواتي يتقنون/ يتقنّ عملية النقل اللغوي بهذه الأوعية الاستعارية الصورانية الرائعة.