لا تزال فكرة العروبة تجابه مقاومة شديدة من بعض البيئات، كما أنها تتعرض إلى هجمات عنيفة من بعض البيئات. وهناك طائفة من الكتاب والساسة لا تؤمن بوحدة الأمة العربية، ولذلك لا يبزل أي جهد في هذا السبيل. وبينهم من لا يكتفي باتخاذ مثل هذا الموقف السلبي في هذا المضمار، بل يزدري بكل من يؤمن بوحدة الأمة العربية، ويتهمهم بالخيالية. والبعض منهم يمضي في هذا المضمار إلى أبعد من ذلك، يتهم دعاة العروبة بضعف التفكير، وينتقدهم أشد الانتقاد.
ولكن هناك طائفة أخرى، لا تكتفي بنقد وتسخيف فكرة الوحدة العربية، بل تعتبر هذه الفكرة من الأمور الضارة التي يجب محاربها، وتتهجم على العروبة وعلى دعاتها، هجوماً عنيفاً، والفصول التي يضمها هذا الكتاب تهدف لاستعراض ونقد هذه الآراء والأعمال، وللدفاع عن العروبة، تجاه الهجمات الضالة والمضللة التي يشنها عليها هؤلاء وبصورة ووسائل شتى.
كتاب دفاع عن العروبة للمؤلف القومي ساطع الحُصري أو كما يفضل تسميته ابو خلدون الحُصري والذي نشر لأول مرة عام ١٩٥٦ م يتكون من مجموعة ردود على المزاعم التي تشكك في الوحدة العربية. يتشكل الكتاب من أربعة فصول رئيسية يتشعب أسفلها مواضيع صغيرة. الفصل الأول يرد المؤلف على مزاعم وإدعاءات حزب انطوان سعادة ومريدوه ويحاول تفنيد النقاط والمواد التي بنى على أساسها الدستور الاعتباطي. كما يقول ساطع الحصري بأن القومية التي حاول اختراعها انطوان سعادة هي قومية اعتباطية تقوم على خواء فكري ومعرفي واسقاطات جغرافية وبيئية لا تمت للعلم بصلة كالادعاء بأن العراق كتاريخ وكأمة وكشعب ومكون ليس سوى شرق سورية. في الفصل الثاني المعنون ب "نظرات إلى تاريخ الأمة العربية" والتي يحوي على نقد لاذع لمقالات كتبها حسين مؤنس الذي انتقد الحضارة والشخصية العربية ايما انتقاد وقال أن التراث العربي القديم لا يرتبط بالعربي الجديد وأننا العرب لا نشعر بالارتباط للحضارة العربية القديمة وأن كل تاريخ من تواريخ العرب قديمًا غير مرتبط في لاحقه وسابقه. استطاع المؤلف تنفيد ما رمى إليه حسين مؤنس. الفصل الثالث اصاب ساطع الحصري في رفض تقسيم العالم العربي إلى قسمين: الشرق الأوسط والأدنى، مجادلًا بأن العالم العربي يتشكل كثقافة واحدة ويتحدث لغة واحدة، فلماذا هذا التقسيم التعسفي الذي يرمي إلى مصالح سياسة تخدم الدول العظمى؟ في الفصل الرابع اثبت الحصري أن اللغة والتاريخ أهم عناصر القومية وردَ في الفصل على الحجج الواهية التي يروج لها معادي الوحدة العربية في موضوع انفصال امريكا عن انكلترا.
هذا الكتاب يُدافع عن العرب والعروبة من كل التهم التي اتهموا بها ولا تزال نفس التهم حتى يومنا هذا ، من بينها أن العرب أمة لا تفكر في الغد أبدا ، أيضا يتحدث المؤلف عن معارضته لما يسمى بالشرق الأوسط فيقول :" إن خارطة المنطقة التي تسمى الشرق الأوسط ، تشطر العالم العربي إلى شطرين : تترك الشطر الغربي منه جانبا ، فتهمله إهمالا كليا ، وأما الشطر الشرقي منه فتدخله داخل نطاقها ، إلا أنها تحشره مع طائفة من البلاد غير العربية وتطمس بذلك معالم العربي ، وتخفي عن الأنظار شخصيته الخاصة . ولذلك نستطيع أن نقول أن فكرة الشرق الأوسط ، عندما تستولي على الأذهان تصرف الأنظار عن الالتفات إلى العالم العربي ، وتعرقل بذلك تبلور مفهوم العروبة تبلورا سليما ، وتحول دون تكوين فكرة العالم العربي تكوينا سويا " وفي نهاية الكتاب يرد على المعارضين للقومية العربية وعلى حججهم التي يستدلون بها من بينها انفصال بعض الدول عن بعضها رغم وحدة اللغة
اقتباسات من الكتاب : _المكانة التي يتمتع بها العالم العربي في السياسة الدولية ، تستند في الدرجه الأولى إلى وقوعه في ملتقى القارتين _إذا لم يعول الإنسان على التعب والكفاح فلا حياة له ولا وجود _يجب ألا ننسى هذه الحقيقة التاريخية : إن الزراعة نشأت في بلادنا قبل أن تنشأ في أوروبا ، كما أن الحضارة بوجه عام ازدهرت في بلادنا قبل أن تزدهر في أوروبا _أخطر الأمراض وأعصاها على العلاج هي التي تتضاعف بقنوط المريض والطبيب عن إمكانية الشفاء _لا يزال كثير من المثقفين في مختلف الأقطار العربية غير منتبهين إلى ما وراء فكرة الشرق الأوسط من دوافع سياسية ، وإلى ما وراء الاستسلام لها من أضرار قومية _لا نعترف بوجود الشرق الأوسط . إنما نقول بوجود العالم العربي ، وندرس هذا العالم
قدم الحصري رؤية فكرية متماسكة حيث يضع اللغة والأدب والتاريخ في قلب مشروع قومي، ويرى فيها أن الشعوب لا تتقدم إلا حين تعي ذاتها، وتكتب سرديتها بوعي لا يستعير لغته من خصومه. لا يعتبر الكتاب تبرير سياسي.. بل يمكن القول بأنه تأصيل نظري لهوية ثقافية وتاريخية تستحق أن تُفهم كما هي، لا كما أرادها الآخرون.