قد أقف موقف المحايد أمام قضية "قيادة المرأة للسيارة" في المملكة العربية السعودية, فبنظري هناك العديد من القضايا التي تقف في المصاف الأولى في إهتمامات المرأة في السعودية وفي تحصيل حقوقها الكاملة من خلالها ولها تأثير أكبر وأوسع مدى في حاضرها ومستقبلها إلا أن مثل هذة القضايا لم تجد ربع ما وجدته قضية "قيادة المرأة للسيارة" في السعودية من ضجة وإهتمام في الأوساط المحلية والعالمية وما زلت حتى الآن أجهل سبب ذلك, رغم ذلك يبقى حضور مثل هذا الكتاب مهماً بنظري في وسطنا المحلي الذي أغفل تاريخ المرأة السعودية بشكل كبير, فالكتاب جاء على شكل توثيق لحدث رغم صغر حجمه إلا أن بعد تأثيره في المجتمع سبب ضجة كبرى وخلاف كبير بين مؤيد ومعارض, فقد كانت لتلك المسيرة التي إشتركت فيها 47 إمرأة سنة 1990م لقيادة السيارة موقد الشرارة التي لفتت الإنتباه المحلي والعالمي إلى أن صمت المرأة السعودية قد إنتهى وإتى من بعده شكل جديد من أشكال النقاش التي دخلت فيه المرأة السعودية كشريك دائم حتى تربعت على رأس القضية وأصبحت المحرك الرئيسي لها. وربما لقلة المؤلفات التي تحمل مصداقية عالية حيال هذا الحدث وجدت أن الكتاب كان أكثر المؤلفات التي قرأتها حول هذا الحدث مصداقية, فقد حاول الكتاب أن يلعب على وتر المحايد طوال عرضه لأحداث القضية, وحاول أن يقتبس كل ردة فعل من كلا الأطراف, وأن ينقل بوضوح ما يريده هذا الطرف من الطرف الآخر والعكس.. كذلك قراءة التجربة من أصحابها بحد ذاتها كانت تجربة كفيلة بإقتناعي بمصداقية الحدث وأصحابه.
مع ذلك كانت هناك بعض الملاحظات والمساجلات التي وجدت أن حضورها في الكتاب لم يكن ضرورياً بل أخذ حيز كبير من الكتاب دون فائدة ترجى من وراءه, فقد إقتصر الجزء الذي تحدث عن ردة الفعل المحلية على الحدث في مجمله على مسجلات دارات بين "جريدة المسلمون" برئيس تحريرها "داود الشريان" و بين الشيخ "سلمان العودة" وكثرت التعليقات والردود حول السجال والمقالات التي تمت كتابتها حول السجال الحاصل بين الطرفين والذي كان يصب في قضية المنشورات التي نشرت حول المشاركات في المسيرة في السادس من نوفمبر سنه 1990م, فقد كان السجال في مجمله يصب في قضية ثانوية لم تركز على الحدث بذاته بل على أمور أخرى مثل تبين الحقيقة فيما نشر, ولو إقتصرت الكاتبات في تسجيل ما حدث بين "الشريان" و"العودة" لكان كافياً لإطلاعنا على مدى حدة الحوار الحاصل حول الموضوع آنذاك, ومدى تأثير أراء "العودة" في الشارع العام في ذلك الحين.
أحببت الكتاب من ناحية أنه أتاح الفرصة للمشاركات في المسيرة من مشاركة تجربتهن الخاصة من خلاله, فقد عرضت بعض المشاركات في المسيرة الأحداث من منظورها ومدى تأثر المحيط القريب منها بتجربتها وردة فعلهم حيال ذلك, كذلك فجأتني قسوة ردة فعل المجتمع حيال مساهمة المشاركات في المسيرة.. فلم يخطر ببالي فيما سبق أن الأمر وصل إلى حد النعت بألقاب الرذيله والفسق..إلخ, فقد كانت لهجة المنشورات التي وزعت في ذلك الحين على الشارع العام قاسيه وتحمل إدعاءات موبؤه ومخيفه. وبعد كل هذا وصلت إلى أن نتاج هذة المسيرة رغم بساطتها في الشكل والمضمون إلا أن علينا أن لا ننكر أنها الشرارة التي حركت المجتمع حيال قضايا المرأة ودفعت بعجلة التفهم لإحتياجاتها ومتطلباتها, فقد تحسن وضع المرأة السعودية بشكل كبير منذ تلك المسيرة وحتى وقتنا الحالي بملايين المرات.. لذلك كان لابد من أن تجد تلك السيدات الفاضلات التي ساهمن في تلك المسيرة شيئاً من التقدير والإمتنان في كيان المجتمع المحلي, وخصوصاً في أفئدة بنات وسيدات هذا الجيل.