لطالما استبد بي الفضول حيال تاريخ بلادي العزيزة، البحرين. وقد دفعني هذا الفضول إلى قضاء ساعاتٍ طويلةٍ في القراءة والبحث في هذا التاريخ.
سُحِرت عندما قرأتُ مراجعةً عن الرواية، ذُكِر فيها بأن الأحداث تقع في بحرين نهايات القرن السادس عشر، ومطلع القرن السابع عشر. ومباشرةً، سارعتُ لاقتنائها.
أقبلت على قراءتها شغوفًا، بمجرد أن انتهيت من قراءة الكتاب الذي كنت منهمكا في قراءته. ولأقول الحق، فإن فكرة الرواية أعجبتني جدا، وأعجبتني أيضا مفردات وتركيبات الأستاذ أحمد رضي اللغوية، التي جمع فيها بين السلاسة والبلاغة، كما ولن أخفي إعجابي أيضا باطّلاعه التاريخي الجميل على تلك الفترة من تاريخ البحرين.
ولكن، وفي الوقت نفسه، لي بعض المؤاخذات على الرواية، بعضها فنّية، والأخرى شكلية. وبما أن هذه الأخيرة هي الأيسر ذكرها، فسأذكرها قبل الأولى. وبالحديث عن ذلك، فإن أهم عيب شكلي -فادح- وجدته، هو عدم خضوع النص لأي تدقيق، على ما يبدو؛ إذ كثرت فيه الأخطاء، بمختلف أنواعها، إلى درجة أنك قد تجد خطأً أو اثنين على الأقل، في كل صفحة! فرغم جمالية اللغة والمفردات، إلا أن الأخطاء، بمختلف أنواعها (نحوية، إملائية، ترقيمية.. إلخ)، أزعجت جمالية النص بشكل مؤلم!
وأما المؤاخذات الفنية، فيمكن تلخيصها كالتالي:
١. تُقدّم الأحداث الأساسية للرواية على أنها ترجمةٌ، من قبل شخص بحريني، يعيش في الخارج، لمذكرات رسام خرائط برتغالي عاش في البحرين لفترة، والتقى بشاعر بحريني هو الغنوي، الذي كان يعيش على ذكرى صديقه الشاعر الكبير أبي البحر الخطّي، والذي تذكّر علاقته به، بعلاقة جلال الدين الرومي بشمس الدين التبريزي. فكرة رائعة، كما هو واضح، وقد أجاد الكاتب إبرازها بشكل متميز. ولكنّ في بداية الرواية مقدمةً للمترجم المُفترض، يُفترض بها أن تكون مقدمةً للترجمة في حد ذاتها، ولكنها بدت أقرب ما تكون بقصة قصيرة أو بداية لرواية منفصلة، إذ تمحورت فقط حول حياة هذا المترجم المفترض وماضيه وحاضره وحنينه، بدلا من أن تكون مقدمةً منطقية لموضوع الرواية الأساسي نفسه! ونموذجي هنا، لهذه الطريقة في تقديم الرواية، هو يوسف زيدان، في بداية روايته "عزازيل"، حيث قدّمها أيضا كترجمة، ولكن بشكل متقن وأكثر منطقية بكثير، إذ تحدثت المقدمة، للمترجم المفترض، عن الكتاب نفسه، وعن تاريخه وكيف عُثر عليه، وكيفية ترجمته.. إلخ، بدلا من أن يتمحور حول حياة هذا المترجم المفترض وما يشعر به! لم أجد المقدمة منطقية، كمقدمة.
٢. بطل الرواية، أو ساردها، روبيرو، يقول في الصفحة ٣٠ أنه تعلّم "شيئا من العربية". ولكنه، أثناء معيشته في البحرين، فإنه لا يورد أي تعليق عن صعوبة واجهها في التواصل مع السكان، مما يوحي بأنه كان "طليقا في العربية"، لا بأنه فقط تعلم "شيئا منها". وحبذا لو أضاف الكاتب شيئا كذلك، لإضفاء المزيد من المصداقية.
٣. وفي نهاية الرواية، يرفق الكاتب ما يُفترض بأن يكون "تعقيب ناشر الرواية" عن الرواية -المترجمة داخل "حنين الخرائط"-. ولكن، ونفس المؤاخذة على المقدمة هنا، فإن تعقيب الناشر المفترض أيضا يبدو غريبا، إذ إنه لا يتمحور حول الرواية الأساسية، بل يتحدث بشكل شبه خالص عن انطباع الناشر الشخصي حول الرواية من جانب، ولوصف حال زوجة المترجم المفترض وحرصها على الوفاء له، والسعي إلى نشر ترجمته. لم يكن ثمة تركيز على الرواية الأساسية نفسها.
٤. رغم روعة فكرة الرواية، وتخللها بعض الحوارات والأفكار العميقة، لكن طريقة السرد كانت مغرقةً في بساطتها، وليته عقدها قليلا، ولفّها ببعض الأستار من الغموض.
ولكن، رغم كل ذلك، أرى بأن الرواية، إذا خضعت للتدقيق اللغوي بشكل صارم، وإذا صُوّبت على الأقل المقدمة، وكذلك التعقيب، من الحيثية التي أشرنا إليها، فإنها ستكون من أروع الروايات التاريخية البحرينية!
ولا يفوتنا أيضا بأن هذه الرواية هي التجربة الأولى في كتابة الرواية للأستاذ أحمد رضي، وإنها لتبشر بروائي بحريني رائع، ذي إمكانيات وثقافة ستمكنه من كتابة ما هو أروع من عمله الأول بكثير.
حسين كاظم
١١ يونيو ٢٠٢٣م