هكذا تكون الملاحم.
على التلّة ينتصب قصر المطر، شامخًا مهيبًا، والفرنسيون، ومعهم كنج الحمدان، من فوقه يراقبون الخلق، ويختارون مصائرهم.
تبدأ الرواية بسرقة بارودة، كان قد مضى على كنج الحمدان 5 أيام فقط زعيمًا على المنارة، وعليه أن يُثبت للجميع أنه على قدر هذه المسؤولية الملقاة على عاتقه، عليه أن يُبثت للجميع أنه يستطيع أن يقسو بقدر ما يمكن للقسوة أن تكون.
تبدأ الحرب سريعًا، الحرب التي ستستمر لسنوات طويلة، ولن تخمد أبدًا، فالبارودة المسروقة تُعيد خلال مجموعة من القرارات الخاطئة والمتسرعة نارًا كانت قد انطفأت منذ فترة.
كنج الحمدان، ملك المنارة، من جانب، وفي الجانب الآخر آل الفضل، المُتهمون بسرقة البارودة. آل الفضل الذين يرفضون أن يمرّغوا آذانهم في التراب أمام كنج ليعفوا عنهم، لكنهم يفعلون ذلك على أية حال لدرء حرب ستأكل الأخضر واليابس.
لكن كنج لا يتزعزع.
تحكي الرواية قصة النضال والخيانة، قصة بهاء الدين وجنوده، ومعهم آل الفضل، الذين وقفوا في مواجهة المحتل الفرنسي لبلادهم، بينما، وفي محاولة مستميتة وبائسة للحفاظ على الزعامة يأخذ كنج الحمدان ورجاله جانب الفرنسيين.. وهو يعلم، والفرنسيون يعلمون أيضًا، أنهم يقدمون له فتات الاحترام، إرضاءًا لغروره وتجنبًا لشروره، وهو ثمن بخس يدفعه الفرنسيون من أجل أن يتجنبوا رجلًا كـ كنج الحمدان.
أجمل ما في الرواية هو الحضور النسائي؛ شخصيات نسائية عظيمة لا تُنسى. نساء تُحركن الأحداث في الخفاء، حكيمات بلا تكلّف، جميلات بلا تصنّع، ماكرات للغاية. نساء تعشن المأساة أكثر من غيرهن، ليس لأنهن نساء فقط، وإنما لأن على عاتقهن أيضًا تحويل الأطفال إلى رجال، ومنع الرجال من التحوّل، مرة أخرى، إلى أطفال.
لغة ممدوح عزام، تعبيراته وتشبيهاته، سرده وحواره، كل هذا لم أره عند أى كاتب آخر، هذا الأسلوب الرشيق السلس وهذه التشبيهات التي تخترق الضلوع فورًا، لم أرها من قبل، ولم أستمتع أبدًا بمقدار ما استمتعت هنا.