هدف المدرسة التفكيفية حسب تعبير الأستاذ حكيمي إلى فهم المعارف القرآنية فهماً خالصاً نقياً، بعيداً عن عملية التأويل، التي تصطبغ بها علوم السماء بالمذاهب والمدارس والنحل البشرية المختلفة. فمثلما يمتزج العرفان بالفلسفة، والفلسفة بعلم الكلام، فإن المعرفة القرآنية اندمجت في آثار الفلاسفة بالتفكير الفلسفي، وفي آثار المتكلمين بالتفكير الكلامي، وهكذا في آثار العرفاء والمتصوفة، والمنهج الذي تبشر به المدرسة التفكيكية يدعو إلى فرز هذه المعارف وغربلتها، وتنقية فهم القرآن الكريم والسنة الشريفة من أدوات غريبة عليها؛ لأن المصدر الأصيل لفهم الدين والتدين هما الكتاب والسنة.
إن منهج التفكيك من مناهج المعرفة الإسلامية الجديرة بالدراسة والتأمل، خاصة في عصر طغيان المعرفة الغربية وسيادتها خارج بيئتها وفضائها الجغرافي المحلي، إثر التطور الهائل في وسائل الاتصال، فهل يمكن الحصول على معرفة نقية خالصة لا يطبعها الإطار الحضاري والزمان والمكان؟ وبالتالي هل استطاع المؤلف أن يتخلص من تأثيرات بيئته ومحيطه وثقافته ونمط حياته في بيانه التفكيكي؟!! هذا ما يمكن معرفته من وراء هذا الكتاب.
مفكِّر شيعي إيراني، ومن المنظِّرين لفكر للمدرسة التفكيكيَّة التي تؤمن بفصل الدين عن الفلسفة والعرفان، وهو أول من اصطلح اصطلاح المدرسة التفكيكيَّة على ذلك
الكاتب هو محمد رضا حكيمي ( الخرساني ) و ليس ( الكربلائي صاحب كتاب سلوني قبل أن تفقدوني ) هو أول من أطلق هذا الأسم - التفكيكية- علي المدرسة الذي أنشئها الميرزا الأصفهاني. في هذا الكتاب يبين الكاتب على أهمية مدرسة التفكيك الإسلامية لا الغربية في الفكر الإسلامي الشيعي حيث أن المدرسة تتعلق بالشيعة. و أرجع المعارف الى ثلاث مسالك رئسية هم : ١- مسلك الوحي ( الدين - القرآن ) ٢-مسلك الفلسفة ( العقل - البرهان ) ٣- مسلك العرفان ( الرياضة - الكشف )
و أما بقية المسالك فهي مهجنه كأن تكون ممزوجه ( فلسفة - قرآن ) أو ( عرفان - قرآن ) و هنا تكمن الأهميه لمدرسة التفكيك في تفكيك المعرفة عن الفلسفة و العرفان. بحيث يكون لكل مسلك أدواته المنهجيه الخاصة. و أعطى الكاتب تاريخاً موجزاً عن الفلسفة و عن بعض الفلاسفة المسلمين. و أوضح أن الفلسفة تعتمد غالبآ على التأويل في النصوص. لذلك عندما تختلط الفلسفة بعلوم القرآن يجري تأويل لكثير من الايات و هذا بالبطبع ينبغي الابتعاد عنه.
رغم أن الكاتب من مدرسة التفكيك، فهو بحث الموضوع بشكل موضوعي لطيف و تناول موضوع الفلسفة بشكل جميل لا يخدش بأحد من الفلاسفة و لا العرفاء. ا
كان هناك محاولات عديدة في التاريخ الاسلامي لدمج المدارس الثلاثة التأويل( القرآن والسنة) الفلسفة ( العقل ) العرفان ( المكشفات) نجح المُلا صدر ( صدر المتألهين الشيرازي) في جمع الثلاثة في ما سمي الحكمة المتعالية.
المدرسة التفكيكية قائمة على فصل الثلاثة وقيام كل مدرسة لوحده .
اي عدم ادخال الفلسفة و العرفان ( المكاشفة) في تفسير او تأويل القرآن ، تأويل القرآن بالحديث والسنة والقرآن .
مراجعة كتاب: المدرسة التفكيكية هوية الكتاب: العنوان: المدرسة التفكيكية المؤلّف: محمد رضا حكيمي المطبعة: دار الهادي- بيروت الطبع: الأولى-2000م المترجم: عبدالحسن سلمان – خليل عصامي و الطبع كان ضمن الكُتب الصادرة من مجلة قضايا إسلامية معاصرة لرئيس تحريرها عبدالجبار الرفاعي الذي قدّم للكتاب مبيّناً عدّة نقاط مهمة ترتبطُ بالكتاب و بمضوعه. هويّة المؤلّف: هو الشيخ محمد رضا بن عبدالوهاب حكيمي من مواليد مشهد عام 1354 بالسنة الهجرية القمرية أي ما يقارب عام 1934 ميلادية. درس في حوزة خراسان العلميّة حتّى أبحاث العليا على أيدي جملة من الأعلام كالميرزا الشيخ مجتبى القزويني و السيد محمد هادي الميلاني و قد أجيز بالإجتهاد من آغا بزركـ الطهراني. وله من المؤلفات:"موسوعة الحياة" في الإقتصاد الإسلامي و قد يشتبه بينه و بين الشيخ محمد رضا حكيمي الكربلائي الخطيب صاحب كتاب "سلوني قبل أن تفقدوني"
و يعدّ حكيمي من أبرز مفكّري المدرسة التفكيكية و المنظّرين لها بل و هو الذي اطلق مسمى التفكيك على هذه المدرسة
الفكرة العامة للكتاب يشرع حكيمي في بيان المدرسة التفكيكية من حب الإنسان للمعرفة فيقول: أن الإنسانُ مجبولٌ على حبّ المعرفة و التشوق للعلم و هذه الجبلّة بعثت الإنسان إلى بذل الجهود الجبارة بإجالةِ فكره و تدقيق نظره حتى يحقق ما يصبو إليه من المعرفة و العلم، و من جملة تلك المعارف هي المعارف التي تشكل الرؤية الكونية للإنسان عن المبدأ و المعاد و علاقة النفس بالبدن و حقيقة السعادة والشقاء والطريق الموصل لها إلى غيرها من المعارف. و لمّا كان الإنسان كلّ إنسانٍ له خصائصه الشخصية والإجتماعية والبيئية تعددت عنده المناهج و المشارب في تحصيل تلك المعارف فأدى إلى تعدد النتائج و الإختلاف في الرؤى و التباينها .
-و يقول حكيمي- ولو أن الإنسان اتبع في طريقه المعصومَ و بذل تلك الجهود و صبّها متعلّماً و متتلمذاً على يد الأنبياء و الأوصياء لحصّل العلم الصحيح بلا هذا التباين و الإختلاف.
و هذا الاختلاف في المناهج و النتائج يشقّ مسيره تاريخاً في ثلاث خطوطٍ عريضة أساسية تعطي رؤى كونيّة متغايرة و هي : المدرسة العقلانية و المدرسة الشهودية و المدرسة الوحيانية حيث أننا نجد في التاريخ الفيلسوف المتأمّل و الراهب المتصوّف و النبيّ المرسل و من جملة المحطات التاريخية التي نضجت فيه هذه الاتجاهات و برزت بشكلٍ غير مسبوق هي الحضارة الإسلامية التي بلغت فيه في الجانب الفلسفي و العرفاني و الفنيّ مبلغاً مثّلت في التاريخ حضارةً عظيمة أتحفت البشرية و نفعتها بعطاءها الوفير و هذه حقيقية غير منكرة و لا يتنكر لها التفكيكيون –بحسب دعوى حكيمي-.
فبدأت الفلسفة الإسلامية على يد أبو العباس الإيرانشهري و أبو يعقوب الكندي كأول فلاسفة إسلاميين فاستقوها من فلاسفة اليونان و خاصّةً أرسطو و ترجمت على يديهم ثمّ جاء و غذاها و شرحها كل من الفارابي و ابن سينا و اصطبغت بصبغت الإسلام لما وضعت الحضارةُ الإسلامية بصماتها عليه بجهود المفكرين فكانت بداية الفلسفة الإسلامية المشائية، و جاء القرن السادس بالفلسفة الإشراقية الإسلامية بيد شهاب الدين السهروردي و عقّبه نصير الطوسي بإحياء الفلسفة المشائية بطابعها السيناوي، و كان إبان هذه الحقبة في اتجاه آخر محيي الدين ابن عربي مقيماً لأعمدة العرفان الإسلامي حتى جاء القرنُ العاشر فاندمج في ظلّ التشيّع العرفان و الفلسفةُ باتجاهيها المشائي و الإشراقي على أيدي الميرداماد و الملا صدرا الشيرازي فنشأت و تشكلت ممتزجةً بنصوص الوحي فلسفة الحكمة المتعالية، فكانت هذه الفلسفة مزيجاً من مدارس ثلاثٍ كانت متباينةً في مسارها التاريخي و ممثلةً ذروة النضوج للفلسفة الإسلاميّة. بل لو ألقينا النظر على مصادر كتاب الأسفار و لاحظنا فهرس الأعلام المثبت في تحقيقه لوجدنا أنّ هناك سبع مكوّنات و عناصر قامت عليها هذه الفلسفة: 1- الفلسفة المشائية 2- الفلسفة الإشراقيّة 3- الفلسفة الأفلاطونية المحدثة 4- الفلسفة الرواقيّة 5- الفلسفة الفهلوية الإيرانيّة 6- مباحث العرفاء و المتصوّفة 7- و القرآن و مأثور الأحاديث النبيّ و آله (ص)
فكانت الآلية الرئيسة و المعتمدُ في هذا تحقيق هذا المزج بين هذه العناصر المختلفة و المتباينة هي عمليّة التأويل التي قام بها سواءً للنصوص الوحيانية أو الفلسفية أو العرفانيّة، فقد قال ملا صدرا بعد أن أورد آراء و نظريات قديمة في النفس الإنسانيّة: "نحنُ نحملُ كلامهم كلامهم على الرموز و نأوّلها تأويلاً حسناً بقدر ما يمكنُ، إن شاء الله تعالى" و كان موقفُ حكيمي من هذه الآليّة أنّها طريقٌ مخالفٌ للنظر العلمي و الموضوعي، لكون البحث العلمي يقتضي حملَ كلام المفكر على ما هو عليه دون تأويل، فكان هذا الامتزاج عنده بين المتباينات توفيقاً لا يقوم على تناسقٍ معرفي و انسجام حيث يستحيل التوفيق بينها إلا بالتأويل المنافي للموضوعية، فكانت هذه عند حكيمي معرفةً مختلطة مهجّنة غير نقيّة. و عليه كان التفكيكُ ضرورةً لابد منها؛ لكونه الطريق لتنقيّة المعارف و فصلها بعضها عن بعض، و الخطوة الأولى في سبيل تحصيل المعرفة النقيّة للقرآن الكريم و علوم الوحي مستقلاً عن أيّ تحوير و تأويل و مزجٍ بالمدارس المأخوذة من اليونان و غيرهم. و الطريق لإعطاء الرأي القرآني في ذلك كما أنّ الفقه الإمامي كان نقيّاً عن النظم الحقوقية و القانونية الأخرى فالرأي الفقهي يكون على ذلك ممثلاً رأي القرآن و العترة.
و بدلَ أنّ نقوم بتأويل الآراء ينبغي أنّ نضرب بعضها ببعض ليتولّد الصواب كما قال أمير المؤمنين، و نستمعَ القول و نتبع أحسنه كما دعا القرآن الكريم. فهناك بعدين رئيسين: الأول: بيان معارف الوحيّ نقيّة خالصة وهو الغاية الجوهرية و لا يتمّ هذا البعد إلا من خلال بحث المسائل العرفانية و الفلسفية من حيث جذورها و تطورها ثمّ فصلها عن معارف الوحي حين تمييزها فكان التفكيك هو الطريق لمعرفة الوحيانية النقيّة؛ فلذلك اطلق المؤلّف مصطلحَ التفكيك على هذا الاتجاه المعرفي و المنهج لكونه مختزلاً لأبعاد هذه المدرسة فغاية الاصطلاح اختزال المفاهيم الواسعة. و من هنا كان يدعو الباحث إلى انصاف الرؤية التفكيكية و أخذها بجديّة و تعامل معها بلا قوالب مسبقةٍ و تقليد للعظماء و اعطاء الموقف منها كاتجاه معرفي جادّ و إن اختلف معها في شيء ما.
المحصلة فيتحصّل أنّ أطروحته تقوم على أركان أربع: الأولى: أنّ هناك تباين جوهري بين المدارس الثلاث كما تثبته النظرة التاريخية الثانيّة: أنّ المعارف لهذا التباين تكون على قسمين: نقيّة و مختلطة الثالثة: أنّ الاختلاط المعرفي يقوم على آليّة التأويل الرابع: فحتى نصل للمعرفة النقيّة و القرآنية بشكل خاص لابّد لنا من التفكيك بين المعارف التباين الجوهري بين هذه المدارس راجعُ إلى تباين مصادرها و اختلاف وجهة النظرة و كيفية رؤية الحقائق فالفرق بينهما في المعطى و المصدر و إن اتفقوا في الغايات و لا يعني تباينهم و انفصالهم هو الصراع و العداء بين أقطاب هذه المدارس فلا يوجد عداء بين الفيلسوف الإلهي و العارف و الأنبياء. كما أنّ وصف المدرسة الفلسفية بالعقلية لا يعني أنّ العقلَ لا حضور له في المدرستيّ الوحي والكشف بل يعني ذلك أنّ العقل هو الذي له كلمة الفصل في المدرسة الفلسفية كما أن الوحي والكشف هما الفيصل في المدرستين فالعقلُ و التعقُّل له قيمةٌ أصيلة في مدرسة الوحي إلا أنّ المعنيّ فيه هو العقل النوري الذي يتحقق بصورة كاملة من خلال: العودة للفطرة و التشرُّع التامّ عقيدةً و عملاً
ملاحظات و أختم أخيراً بإيراد عدة ملاحظات مهمة: الأولى: إن جهد حكيمي في كتابه متمثّلُ في الصياغة و التأصيل الفكري لهذا الاتجاه المعرفي و التعريف بأهميته و غايته و منشأه الذي دعا لقيامه، أما معرفة الأصول العلمية لهذه المدرسة فلا يكاد يصبُّ في هذا المصبّ بشيء. الثانية: يهتم هذا الاتجاه بالبحث التاريخي للتيارات الثلاث و تقوم على ذلك كما يبدو لي فكرة التباين الجوهري بين تلك المدارس للفرق بين مصادرها تاريخياً أولاً، وهذا سبب -في تصوري- عند البعض ردّة فعل عدائية للتيارين الفلسفي و العرفاني في الدائرة الشيعيّة.
الثالثة: باعتقادي لا يمكن لأي اتجاه معرفي إنكار قيمة التفكير الفلسفي في البحث العلمي على المستوى الت��وري و إن أمكن إنكاره على المستوى التصديقي، خاصّةً في البحوث المنهجيّة و العقدية.
الكتاب جيّد و أنصح بقراءته إلا أنه لن يعرّف بالمدرسة التفكيكية تعريفاً علميّاً يقوم على إيراد المباني العلمية لهذه المدرسة و إنما هو—كما أسلفت- تأصيل فكري و بيان لغاياتها و اهتماماتها العلمية.