Jump to ratings and reviews
Rate this book

 النظرية السياسية بين التجريد والممارسة

Rate this book
النظرية السياسية من المواضيع الرئيسة في علم السياسة، واعتمادها كمجال معرفي ومادة للتدريس اعتراف بمرحلة النضج التي وصل إليها الفكر السياسي وعلم السياسة بشكل عام، فأن تُهيكل الأفكار السياسية في إطار نظريات علمية، معناه أن السياسة لم تعد مجرد أفكار ومقولات عامة بعيدة عن الواقع، بل أصبح من الممكن ضبط وتقنين الشأن السياسي ليصبح علماً مثل العلوم الأخرى. ومن هنا ليس عبثاً أن يدخل لفظ النظرية في المجال السياسي، وهو لفظ مستمد أصلاً من العلوم الحقة التي وصلت إلى درجة من الدقة والضبط جعل من الممكن ضبط مقولاتها في إطار نظريات علمية قابلة للتعميم، وتكون هادياً للباحث في تلك العلوم.
لا غرو إن كان اعتماد مفهوم النظرية والقوانين السياسية، إضافة إلى توظيف أدوات البحث العلمي ومناهجه في المجال الاجتماعي، محاولة من الباحثين الاجتماعيين والسياسيين للوصول بالمعرفة الاجتماعية والسياسية إلى درجة من الدقة والموضوعية شبيهة بالحالة التي عليها العلوم الحقة. ومع ذلك، وعلى الرغم من الجهود الشاقة التي بذلها العلماء الاجتماعيون والسياسيون في هذا المجال، إلا أن بعض العلماء ما زال يشكك في علمية المعرفة الاجتماعية بما في ذلك النظريات والقوانين الاجتماعية والسياسية، حتى عندما سئل الفيلسوف الفرنسي ليفي شتراوس Claude Lévi - Strauss: هل هناك علوم اجتماعية؟ أجاب: لدي شك في ذلك. وشكّه ينبع من إدراكه أن الظواهر الاجتماعية تختلف عن الظواهر الطبيعية، فإذا كانت الأولى قابلة للملاحظة والضبط والتجريب، فإن الثانية على درجة كبيرة من التعقيد وعدم الثبات والتحول من حال إلى حال، فالظاهرة الاجتماعية يتداخل في تشكلها مؤثرات سسيولوجية ونفسية ودينية واقتصادية وعاطفية، ما يجعل حصر مكوناتها وإخضاعها للتجربة أمراً شاقاً، وهذا الأمر يجعل من المخاطرة وبمثابة مغامرة علمية، صياغة نظريات وقوانين بعيدة المدى تزعم القدرة على فهم وتفسير الظواهر الاجتماعية بشكل مُرض، ومن هنا فإن الباحثين يتعاملون بحذر مع النظريات الاجتماعية والسياسية وخصوصاً بعيدة المدى وشمولية التحليل.
إن قولنا المشار إليه أعلاه لا ينفي الجدوى عن النظريات الاجتماعية، ولكن المقصود أنه في مجال التنظير الاجتماعي والسياسي يجب ألا يتبادر إلى الذهن أن عملية التنظير في هذا المجال تغني الباحث عن المقاربات الميدانية والتجريبية، أو أن النظريات السياسية تعبير صادق عن الواقع، فما بين الواقع والنظريات فجوة كبيرة والعلماء يلهثون دوماً لصياغة نظريات يمكنها أن تواكب الواقع، فالنظريات وحتى التي تزعم أنها علمية وموضوعية لا تتطابق دوماً مع الواقع، ولنا في واقع الحياة السياسية اليوم خير دليل على ذلك، فلا توجد أية نظرية سياسية قادرة لوحدها على تفسير وفهم ما يجري في السياسة الدولية، والفهم والتفسير من أهم أهداف النظرية السياسية.
جاء اعتماد مصطلح النظرية في العلوم السياسية بعد رحلة طويلة وشاقة وممانعات متعددة المصادر واجهت الفكر السياسي، حيث انتقل من فكر تهيمن عليه الأسطورة والفلسفة السياسية إلى فكر علمي يعتمد على مناهج البحث العلمي، وتعد النظريات السياسية العمود الفقري لعلم السياسة، فالنظرية السياسية هي ذلك الجزء العلمي والممنهج من الفكر السياسي الذي كان أفكاراً عائمة وغير مضبوطة قبل أن تصبح السياسة علماً قائماً بذاته. على الرغم من الاعتراف بالعلم السياسي وبالنظريات السياسية، إلا أن علماء السياسة ما زالوا يناضلون حتى يُعترف بهم كمرجعيات رئيسة في الحقل السياسي، وما زالوا في بلدان العالم الثالث على وجه التخصيص مهمشين ومستَبعَدين على مستوى الممارسة السياسية، حيث هواة السياسة وتجار السياسة ومستلبو السلطة من العسكر والمغامرين يحتكرون الحياة السياسية، هذا ناهيك عن الممانعة التي تجدها النظرية السياسية من الفكر الغيبي والأسطوري ومن تيارات دينية، ترفض أية مرجعية وضعية لتدبير أمور المجتمع بما فيها الشأن السياسي.
قد يتساءل البعض: أيهما أكثر دقة، مصطلح ""نظرية سياسية"" أو ""نظريات سياسية""؟ وهو تساؤل مشروع خصوصاً عندما نرى مؤلفات تتناول موضوعات تحت مسمى (النظرية السياسية)، ومؤلفات أخرى تتناول الموضوعات نفسها تحت مسمى (النظريات السياسية).
إن اختلاف التسمية في نظرنا وإن كان ليس بالأمر الذي يستحق كثير نقاش، إلا أنه في بعض الأحيان يحدث لُبساً، فاستعمال تسمية النظرية السياسية قد يوحي عند البعض وجود نظرية واحدة تستوعب مجمل الشأن السياسي، وقابلة للتطبيق في كل المجتمعات، كما أن تسمية نظرية سياسية يجعل الأمر وكأن المقصود به تاريخ الأفكار السياسية أو مجمل التنظيرات السياسية. أما اعتماد مصطلح النظريات السياسية فيوحي بوجود نظريات- بالمعنى الدقيق للكلمة نسبياً- متعددة كل منها يتناول جانباً من الظاهرة السياسية، فهناك نظرية حول الدولة، وأخرى حول الديمقراطية، وثالثة حول السلطة... الخ، وحيث إن مصطلح النظرية السياسية هو الذي شاع في مجال الدراسات الأكاديمية، فسنستعمل هذا المصطلح.
ولا بد من الإشارة هنا إلى أنه في محاولتنا هذه لإصدار مؤلف حول النظرية السياسية كنا مترددين ما بين التركيز على الجانب المفاهيمي من النظرية السياسية أو إعطاء الأولوية لمحتوى النظرية السياسية، أي الموضوعات التي تدرسها وتدخل في حقل اهتماماتها، أيضاً كنا مترددين ما بين الاهتمام بالجانب القيمي والأخلاقي من الشأن السياسي أو الاهتمام بواقع الممارسة السياسية.
لا شك أن الطالب الجامعي الذي يدرس لأول مرة النظرية السياسية وربما لا يكون على معرفة كافية بالمقصود بالنظرية السياسية كمفهوم، يحتاج كماً كافياً من المعلومات النظرية والمفاهيم المجردة حول الموضوع، ولكن المفاهيم المجردة وحدها لا تكون كافية إن لم تُصاحب بأمثلة وتطبيقات وتحليل لموضوعات تُقَربُ الطالب من فهم المقصود بالنظرية السياسية. وعلى هذا الأساس حاولنا أن نجمع ما بين الجانب النظري والجانب التطبيقي. ومع ذلك فقد انتابتنا حالة من التردد فيما يتعلق بالجانب التطبيقي، فليس من السهل تناول كل الموضوعات التي تدخل ضمن إطار اهتمام النظر...

314 pages, ebook

First published May 10, 2012

15 people want to read

About the author

إبراهيم أبراش

6 books6 followers

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
1 (25%)
4 stars
0 (0%)
3 stars
2 (50%)
2 stars
1 (25%)
1 star
0 (0%)
No one has reviewed this book yet.

Can't find what you're looking for?

Get help and learn more about the design.