عندما اقتنيت هذا الكتاب لم يكن يخطر ببالي أن يكون فيه مثل تلك الفكرة التي لطالما راودتني وأرّقتني.. يبيّن عنوانه أنّه يتحدّث - مثل غيره من كتب الرّحلات- عن رحلة عابرة إلى تدمر وخاصّة أن صغر حجمه يوحي أنّها ربّما مغامرة لا تحمل في طيّاتها ما يثير الانتباه ويشدّ الفكر.. ذكرت الرّحّالة رحلتها إلى تدمر ومرورها في قرية جيرود حيث التقت هناك بفتاة من دمشق تبلغ التاسعة عشرة من عمرها متزوجة من رجل في الأربعين من عمره زوّجها إياه خالها بعد وفاة والدها الكولونيل وتذكر معاناتها وألمها لتركها مقاعد الدّراسة وكم توسّلت لأهلها أن ينتظروا ولو لعام واحد كي تكمل دراستها ولكن عبثاً حاولت.. وجاءت إلى كنف هذا الرّجل لتتشارك السّكن والرّجل مع امرأة كبيرة شمطاء بادلتها العداء والحسد والغيرة وكان مصيرها ومصير ابنتها قبلها الموت خنقاً على يد تلك الشّمطاء
الفكرة التي ذكرتها الكاتبة الرّحّالة والتي أثّرت فيّ أيّما تأثير ما شعرت به من وخزٍ في الضّمير عندما وصلها خبر موت رومانيا واسترجعت بذهنها ما دار بينهما من حوار وعرضها لها لصورة الفتاة الباريسية وما تتمتّع به من حريّة في إكمال تعليمها واختيارها لشريك حياتها وغيرها من الأمور التي حُرِمت منها تلك الصّبيّة الدّمشقيّة ولكنّها كانت تعتلج في نفسها وتتمنّى أن تعيشها واقعاً حيّاً وجاءت تلك الباريسيّة لتذكر لها أنّ ما تعتبره من الأحلام هو واقعاً ممارساً هناك في باريس..
وهذا ما يخطر في بالي أحياناً هل يا ترى يجب أن لا نذكر أمثال تلك الأمور أمام من يحلم بها ولكن لا يستيطع تحصيلها، ولا نشجعه على محاولة الارتقاء بنفسه طالما واقعه لا يساعده في ذلك، وسيكون بالتّالي عرضة للأذى أو السّخرية أو التّهميش أو ربّما- وهو أسوأ الاحتمالات- القتل.. أم أنّ من واجب التّحفيز والتّشجيع وعرض ما يكون ونترك الباقي لله ومن ثمّ الظّروف..
ربّما كان نصيب رومانيا القتل على يد زوجها بتحريض من ضرّتها.. ولكن هناك الكثيرات ربّما من يستطعن الوصول لمبتغاهنّ ولو بعد حين أو زرعه في نفوس أطفالهنّ..
"صغيرتي رومانيا.. لم تكن روحك صغيرة وطائشة مثلما كنتُ أعتقد، كنتِ مثل فراشة تندفع لتحرق جناحيها على لهيب الشّعلة التي أوقدتها أنا، حين حدّثتك عن الحرّيّة.. فسامحيني.."