السيد صادق بن الميرزا مهدي الحسيني الشيرازي، مرجع ديني، مفكر إجتماعي-سياسي وأستاذ في نحو اللغة والمنطق. ولد في مدينة كربلاء في العراق ودرس في حوزتها العلمية ثم هاجر إلى مدينة قم في إيران وهو مقيم فيها حالياً. يتولى إدارة ومتابعة مؤسسات ثقافية واجتماعية عديدة حول العالم قام بتأسيسها مع أخيه الأكبر السيد محمد الشيرازي قبل رحيله، وهو المشرف عليها في الوقت الراهن. له العديد من المؤلفات في العقيدة والفقه والأخلاق والآداب الإسلامية.
الكتاب شرح لوصية النبي صل الله عليه واله لابي ذر الغفاري رضي الله عنه
روى أبي ذر الغفاري رضوان الله عليه فقال: دخلت ذات يوم على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في مسجده، فلم أرَ في المسجد أحداً من الناس إلا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وعليّ عليه السلام إلى جانبه جالس، فاغتنمت خُلوة المسجد، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أوصني بوصية ينفعني الله بها.
فقال صلّى الله عليه وآله وسلم: أنعِمْ وأكِرمْ بك يا أبا ذر، إنك منَّا أهل البيت، وإني موصيك بوصية، فاحفظها، فإنها جامعة لِطُرُقِ الخير، وسُبُله، فإنك إذ تحفظها، كان لك بها كِفل .
يا أبا ذر: أعبد الله كأنك تراه. فإن كنت لا تراه، فإنه عزّ وجلّ يراك، واعلم أن أوّل عبادة الله المعرفة به. إنّه الأوّل قبَل كل شيء، فلا شيء قَبْلََهُ، والفرد، فلا ثاني معه، والباقي لا إلى غاية، فاطرِ السموات والأرض وما فيهما، وما بينهما من شيء، وهو اللطيف الخبير. وهو على كل شيء قدير. ثم الإيمان بي، والإقرار بأنَّ الله عزّ وجلّ أرسلني إلى كافة الناس، بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ثم أحِبَّ أهل بيتي الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
واعلم يا أبا ذر: أنّ الله جعل أهل بيتي كسفينة النجاة في قوم نوح، من ركبها نجى، ومن رَغِبَ عنها غَرِق، ومثل باب حِطَّة في بني إسرائيل، من دخله كان آمنا. يا أبا ذر: احفظ ما أوصيك به، تكن سعيداً في الدنيا والآخرة. يا أبا ذر: نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، الصحة والفراغ. يا أبا ذر: اغتنم خمساً قبل خمس: شبَابَك قبل هَرَمِك، وصِحَّتك قبل سَقَمِك وغِنَاكَ قبل فقرك، وفراغَك قبل شغلِك، وحياتَك قبل موتِك. يا أبا ذر: لو نظرت إلى الأجل ومسيرِهِ، لأبغضت الأملَ وغرورَه. يا أبا ذر: كن في الدنيا كأنك غريب، أو كعابر سبيل، وعدّ نفسك في أهل القبور. يا أبا ذر: إذا أصبحت فلا تحدِّث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدِّث نفسك بالصباح، وخذ من صحتك قبل سَقَمِك، ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري ما اسمك غداً. يا أبا ذر: كن على عمرِك أشحّ منك على درهمِكَ ودينارِك. يا أبا ذر: إن شرّ الناس عند الله عز وجل يوم القيامة، عالم لا ينتَفَعُ بعلْمِهِ، ومَنْ طلَبَ عِلماً ليصرِفَ به وجوه الناس إليه لم يجد ريح الجنة. يا أبا ذر: من ابتغى العلم ليخدع به الناس، لم يجد ريح الجنة. يا أبا ذر: إذا سُئِلْتَ عن علم لا تعلمُهُ، فقل: لا أعلمه، تنجُ من تبعته، ولا تُفتِ الناس بما لا علم لك به، تنج من عذاب يوم القيامة. يا أبا ذر: تطلَّع قوم من أهل الجنة إلى قوم من النار، فيقولون: ما أدخلكم النار؟ وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم وتعليمكم! فيقولون: إنّا كُنّا نأمُرُ بالمعروف ولا نفعله.. يا أبا ذر: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله عزّ وجل أكثر من أن يحصيها العباد، ولكن أمسوا تائبين وأصبحوا تائبين. يا أبا ذر: إنكم في ممرِّ الليل والنهار في آجال منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتة، فمن يزرع خيراً يوشك أن يحصُد زرعه، ومن يزرع شراً، يوشك أن يحصد ندامة، ولكلِّ زارعٍ ما زرع. يا أبا ذر: إنَّ المؤمن ليرى ذنبَهُ كأنّه تحت صخرة، يخاف أن تقع عليه، والكافر يرى ذنبه كأنه ذباب مرَّ على أنفه. يا أبا ذر: إن الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبد خيراً جعل الذنوب بين عينيه ممثلة. والإثم عليه ثقيلاً وبيلا. وإذا أراد الله بعبده شراً أنساه ذنوبه. يا أبا ذر: لا تنظر إلى صِغَر الخطيئة، ولكن انظر إلى من عصيت. يا أبا ذر: من وافق قوله فعله، فذلك الذي أصاب حظه، ومن خالف قوله فعله فإنما يوبِّخ نفسه. يا أبا ذر: إن الرجل ليُحرَم بالذنب يصيبه. يا أبا ذر: إنك إذا طلبت شيئاً من الدنيا، وابتغيته، وعسِر عليك، فإن لك على كل حال حسنة. يا أبا ذر: لا تنطق فيما لا يعنيك، فإنك لست منه في شيء، واخزن لِسانك كما تخزِن رزقك.
مضمون الكتاب عدد من وصايا الرسول الأعظم التي وجهها للصحابي الجليل ابي ذر الذي هو من جملة تلامذة المدرسة المحمدية ..
يتناول الكتاب عدة فصول يبتدئ بها بوصية من وصايا الرسول صلّى الله عليه وآله ثم يتطرق إلى شرح مفصّل وعميق لكل مقطع من الوصيّة بحيث يصل القارئ إلى مضمون هذه الوصيّة، من عناية الكاتب أنه لم يقتصر على شرح هذه الوصايا بل أنه يُعين المؤمن على تنفيذ هذه الوصايا من خلال مواضيعه القيّمة بأسلوبه المقنع الواقعي، ومن المثير للذكر انني اثناء القراءة شعرت أن هذا الكتاب موجّه ليومنا هذا لجيلنا هذا بحيث أنه ألتمس مشاكلنا الدينية والأخلاقية في هذا الجيل ..
قال الرسول صلّى الله عليه وآله : ( يا أباذر، إنّكم في ممرّ الليل والنهار في آجاب منقوصة، وأعمال محفوظة، والموت يأتي بغتةً، ومنْ يزرع خيراً يوشك أن يحصد خيراً، ومن يزرع شرّاً يوشك أن يحصد ندامةً ولكل زارع مثل مازرع).
اثناء قراءتي للباب الذي ابتدئ بهذه الوصية حيث يتكلم عن الموت والحياة بعد الموت ،خالجني شعور إقشعّر له بدني، لوهلة خُيل لي انني في عالم مابعد الموت مع مصيرٍ مجهول لا ادري هل أنا من الأشقاء ام من السعداء .. ف عزمت على التقرب لله ولآل محمد عليهم الصلاة والسلام ، كان هذا هو التأثير الذي تركه فيّ هذا الكتاب .
الكتاب للسيد صادق الشيرازي أدام الله ظله, كانت هذه أول قراءة لي لنهج شيرازي ممن ينبذون العرفانية و طي المقامات وينشدون العقلانية أكثر. أحببت الكتاب وأسلوب الكاتب مختلف عما تعودت عليه, فإما أجد الواعظ يسرد المواعظ سرداً أو أجده يسلك منهجاً روحياً لا يتناسب مع اختلاف الاستعدادات الروحية لكل الأفراد. احتوى الكتاب على مواعظ دلل على ضرورتها بشكل عقلاني في أغلبها وخصص قسماً لشهر رمضان وعلل أهمية الأدعية وتخصيص الدعاء في أوقات الهبات الربانية. اختلفت مع فكر السيد في مواضع, لكن استفدت منه في مواضع أكثر.
لا عجب أن يكون أبو ذر منارة للتأسي به و قد خصَّه رسول الله صلى الله عليه و آله بحديث أخلاقي عظيم متحبباً إليه بين فقراته بذكر إسمه مرارا و تكرارا .
هذه تأملات عظيمة في وصيّة الرسول العظيمة لأبي ذر رضوان الله عليه ، تناولتْ بعض فقراتها بالتبيين و الشرح ، أثرها على النفس جدَُ عظيم ، حتى تمنيت أن يطول الحديث أكثر .