أسلوبُ أحمد الحقيل يمتاز بقابليتهِ لأن يصنع نوعا روائيًا يحث القارئ ع المتابعة ، و لأني قرأت هذه المجموعة القصصية ع مهل ، ارتكز انتباهِي ع القصة التي تتحدث عن إيقاظ الموتى في قرية نائية ، أراها من أجمل و أقوى ما كتب في مجموعته تلك ، كانت مُحكمة العقدة و نهايتها أتت بشكل يخلو من التنسيقية البلهاء ، في قصص أخرى بدا الكاتب مُشتتا و كأنه يُحاول أن يضع حشوا ما و لكنه غير مُقتنع به إطلاقًا ، لذلك فالأحسن إن توقف عند نقطة الإشارة الجيدة ، دون أن يُضيف المزيد من الأحداث التي تُشكل مادة حرجة لأي قلم
النجمات الثلاث للعمق الفلسفي اللذيذ في قصص أحمد ، قصص قصيرة من نمط خاص جدا لولا أنها جاءت بلا روح اسلامية وبتطبيع محشو لمحرمات كالخمر وغيره بطريقة غير مرغوبة لا تتناسب مع بيئة الكاتب ويتضح تكلفها
"لطالما أحسست بأن الذكريات شبيهة بأغنية سمعتها لأول مرة فأدمنت سماعها حتى مللت منها.. فإذا تذكرتها بعد سنوات أحسست بشيء ينبعث كالروح في داخلي، فأعود إلى مجلداتي المهملة لأبحث عنها، وإذا سمعتها أدركت بأنني لم أكن أبحث عنها؛ بل عن اللحظات التي قضيتها معها.. لم أكن أبحث عن "الشيء" الذي فقدته، وإنما عن "الوقت" الذي فقدته فيه".
الكلمات غير قادرة على إستيعاب تولعي وشغفي تجاه كل ما يكتبه "الحقيل" منذ أن قرأت له للمرة الأولى، هذا الرجل بارع في إختزال كل معنى ونثره على الورق، لديه تلك القدرة العجيبة على صناعة مغزى لكل حدث وحكاية من كل مشهد، وتوظيف صور متعددة من مختلف منحنيات الحياة في قالب إبداعي أدبي مميز وشهي إلى حد إلتهامه دفعة واحدة دون أي شعور بالتخمة، من خلال سعيي لقراءة وإقتناء كل ما كتبه "الحقيل" كان هذا الكتاب بكونه واقع تحت سلسلة "الكتاب الأول" لكاتبه والصادر من النادي الأدبي بالرياض بكل نصوصه مفاجأة لطيفة ككل المفاجأت التي صادفتني في قرائاتي الأخرى "للحقيل"، فهو ذاته منذ الكتاب الأول مبهراً وخلاقاً وصانعاً للغة مبتكرة ولذيذة يقول فيها كل ما يدور في خاطره ومخيلته في نصوصه المتعددة داخل هذا السرد وعلى إمتداد مساره.
يجمع "الحقيل" في كتابه هذا جملة من النصوص التي تخوض في أفكار وعوالم متعددة وتتناول شخصيات مختلفة في طبيعتها وظروفها، بين الكاتب المسرحي المنهمر في نصوصه والمغروم بممثلات أعماله، وبين العامل في السيرك بكل ما فيه من فعاليات ومشاهد، وبين الواقع في أزمة الوجود ومعانيه، وبين الذي يعيش في لجة من الكآبة والعدمية، وبين من يأخذك إلى عالم الموت والغيبيات، وبين من يحاول أن يصنع من حياته معنى ويترك أثراً له في الذاكرة والوجود، وبين كل الحقائق التي تدور في معترك الحياة اليومية وتخلق داخل الفرد حافزاً لإندفاعه داخل سراديبها، وبين الوعي واللاوعي، وبين ذلك وذاك، حيث تمتد النصوص في سياقات متغيرة يقول من خلالها أشياء كثيرة عن فحوى الوجود، والوحدة، والموت، والحياة، والبشر، والذاكرة، والتاريخ، وإنبعاثات الواقع والخيال، والحقائق المغيبة بفعل الزمن، والأقدار المؤجلة وتلك التي غدت ماضياً لا يمكن تجاوزه.
بينما تأتي نصوص أخرى سبق لي وأن قرأتها مكتملة مثل تلك الحكاية المعنونة بـ "الخلق الجديد"، والتي نشرها "الحقيل" في عام ٢٠٢٠ ميلادياً كعمل مستقل على هيئة رواية قصيرة بنسخة إلكترونية فقط، والتي تتناول تلك القرية النائية التي وعت في يوم ما على جثث من أهلها وقد بعثوا من موتهم وخرجوا من قبورهم وعادوا إلى مزاولة الحياة، دون إدراك من أهل القرية الأحياء منهم والعائدون من موتهم للسبب خلف كل ذلك وكيف جرى والمغزى من وراءه، ليجد الرقيب "حمدان" ومساعده "سالم" العاملين في مركز الشرطة المتواضع في القرية أنفسهم مسؤولين عن التحقق من حيثيات تلك القضية، حتى تستيقظ القرية من جديد ومرة أخرى وقد غزاها الموت من جديد وأخذ كل تلك الجثث وأنفاس أحياء آخرين إلى موت جديد لتعود الأمور إلى طبيعتها دون تفسير واضح، ومثلما اندمجت مع النص عند قرأتي له للمرة الأولى وجدتني هذة المرة منغمساً فيه محاولاً إستكشاف كل تعرجاته وتفاصيله والقراءة فيه وكأنني لم أقرأه في وقت سابق.
يستسقي "الحقيل" الكثير من الحكايا في نصوصه هذة من بيئة محلية، ويتخذ من شخصيات ذات طابع محلي أبطالاً لحكاياته، مثل "عزيز" المعلم المهمش في محيطه، الواقع في ورطة وجوده، المتعصب في قناعاته، المنحرف عن توجهات مجتمعه وبيئته، وبين أولئك المتناثرين على الأرصفة المقابلة لبعضها البعض، المتفكرين في تغير أحوالهم وطبيعة علاقاتهم وما آلت إليه، وعن الجندي وأهله والموت الذي إختطفه من خنادق الحرب في الحد الجنوبي، وعن طابع الموت الذي يطل برأسه في مناطق الصراع، وعن الذكريات المختزلة والوصايا المكتوبة بشكل مقتضب والمفكرات التي لا تقول شيئاً يضفي على رهبة الموت وجبروته أي شعور بل تتركك في حيرة حيال ما لم يقال ويكتب، وبين أولئك الذين تأخذهم الطرق السريعة على إمتدادها إلى طرق أخرى لا نهائية، وعن طابع التكرار لكل تلك المشاهد التي تأتي مصاحبة للمشاوير الطويلة التي يقطعها هؤلاء على إمتداد تلك الطرق الفسيحة والمفتوحة على المدى البعيد بحركة ديناميكية هلامية مستمرة.
بينما في نصوص أخرى تنطق الجمادات مثل الكتب المهملة والقديمة على الرف لتحكي عن وجودها وتاريخها في حياة مالكها، وكيف آل بها المصير لتكون مصيدة للذباب الطائر في جو الغرفة التي تقع فيها مكتبة مالكها، أو مسنداً ملقى على طاولة المكتب توضع عليه الأشياء ويستخدم في أغراض أخرى بعيدة كل البعد عن القراءة فيه، وفي نصوص وحكايا أخرى يأخذنا في مساحات مفتوحة من الذكريات وتصورنا عنها بين مرحلة المراهقة والنضج، وعن مسار الوقت وطابع المعيشة في المدن الصغيرة وتلك الضخمة وطابع الحنين إليها بعد مغادرتها والعيش داخل شوارعها والتأمل في معالمها لفترة زمنية طويلة حتى يألفها الفرد ويضجر منها ويغادرها إلى مدن أخرى جديدة ساعياً للبحث لإدراك حقيقة عيشه وغايته داخل تلك المدن على تعدد وإختلاف وجوهها وملامح خرائطها.
تأتي نصوص أخرى لتسلط الضوء على إعتيادية تقلب الحياة في مشاهد متعددة بين أبناء مدينة واحدة من المدن المتوسطة التي يجري فيها الوقت بهدوء وملل صارخ، وعن تلك الحواري التي إستيقظ أناسها وهم يحفرون في المساحات الخارجية لمنازلهم بحثاً عن كنوز من الذهب وعن حقيقة الوهم الذي كانوا يعيشون فيه حتى غدا حقيقة لبعضهم وغير من مجرى حياتهم وجعلهم يرحلون بعيداً عن تلك الحواري ويهجرون المدينة الأم، وعن "جابر" الذي شهد تغيرات الشيخوخة في جسده بعدما أتم عامه الخامس والعشرين من عمره وبدأ يعيش معضلة الكِبر في سن مبكرة حتى تخطفه الموت بعد أن أتم عامه السادس والعشرين وقد تجاوز الثمانين من عمره، وبين حكايا ونصوص كثيرة ومتنوعة تختلف محاورها وموضوعاتها وشخوصها، ولكن عنصر الإبهار والتفرد فيها ثابت دائماً كما هو في كل أعمال "الحقيل" وكتاباته، لقد كانت قراءة ممتعة ومشوقة بكل عناصرها ومفرداتها.