أعدت قراءة الكتاب للمرة الثالثة. تجذبني الدراسات القرآنية لكونه النص المؤسس للثقافة العربية, فكما يقول المؤلف: لم يكن القرآن المنزّل إلّا شهادة ميلاد لأمة العرب, أتى ليبين لهم ما يعنيه فعل التفكر.
بعض الباحثين في الدراسات القرآنية يفترضون وجود أصل سرياني له, وآخرون يفترضون أصلا يونانيا. المؤلف من الصنف الثاني. فقد حاول النظر للقرآن على أنه فكر وليس نصًا دينيا فحسب, وحاول ربط هذا الفكر بالفلسفة اليونانية، وبالتحديد أفلاطون. فكثيرا ما يسرد المؤلف كلامًا قاله أفلاطون أو غيره من فلاسفة اليونان ثم يقارنه مع آية أو حدث تاريخي من التراث المحيط بالقرآن. وأحيانا يبحث عن أصول المفردات القرآنية ومدى تشابهها مع مفردات يونانية، أو تحليل لقصص أوردها مؤرخون يونان مع بعض قصص القرآن. المؤلف وصل لمدى بعيد في محاولته للربط بين الثقافة والموروث الهيليني مع الخطاب القرآني. وانتقد المؤسسة التفسيرية الدينية بكونها اتخذت استراتيجية لإخفاء الجوانب الأخرى لفهم القرآن.
يتساءل المؤلف في خاتمة كتابه: ما السر في أن يُقال في لغة العرب, القدامى منهم والمعاصرين, عن الوحدة الشعرية ((بيت)), يُقام ويُرفع أينما حل صاحبه وارتحل في عراء الصحراء؟ فإن كانت هذه الأمّة المولعة بالمرادفات -كما يُفترض بكل ناطق بهذا اللسان أن يُدرك ذلك- قد أطلقت على المنظوم في جملته لفظا وحيدا هو ((قصيدة)), أو قصيد, أي غاية يراد بلوغها, فإن للبيت معنى المسكن أيضا. تُمعن هذه اللغة في التهذيب الدلالي, ولا تكتفي بذلك التفريق في المعنى, بل تُفرد لتلك الوحدة الشعرية كلمة ((أبيات)) كصيغة جمع لا يصح إطلاقها على ما يُراد به ((المساكن)) إلا تجّوزا لا اصطلاحا. ويُقال عن الوحدة العروضية وتدٌ (نسبة لوتد الخيمة), وعن حرف القافية رَويٌّ (وفيه معنى السقاية بالماء).
لكن لماذا حُرمت ظاهرة النثر الأدبي العربي من هذا الثراء الدلالي, ليُخصص لها لفظ هزيل يفيد التناثر والتشتت والتبعثر؟