سأنقل تعريفا بالمقامات، ثم أعرج على تجربتي مع تلك المقامات:
" تعد المقامات أحد الأجناس الأدبية السردية التي يتميّز بها أدبنا العربي. وهي نوع من القصص الخيالية، محشو بكثير من الشخصيات والأحداث والخطب والحوارات، ومصاغ بلغة جميلة. والمقامات، كما وضعها بديع الزمان الهمذاني المتوفى سنة 398هـ، تحتوي على شيخ يقوم بدور البطل، وراو يحكي لنا مغامرات ذلك الشيخ الذي يبرز دائما كرجل ذكي وذي اطلاع أدبي واسع، لكنه يختار الكدية، أي التكسّب بالحيلة والكلام البليغ، للحصول على المال.
ولتسهيل الوصول إلى مآربه يصطحب عادة غلاما أو فتاة تشاركه حيله وحياته. وبعد وفاة بديع الزمان بحوالي مئة سنة وضع القاسم بن علي الحريري (446-516هـ) خمسين مقامة فاقت شهرتها صيت مقامات بديع الزمان الهمذاني وتعد اليوم أفضل نموذج لهذا الجنس في اللغة العربية. وقد قام الإيرانيون بتقليدها في أدبهم وترجمها الغربيون إلى لغاتهم. كما دفعت الشهرة الكبيرة التي حظيت بها مقامات الحريري كثيرا من المهتمين باللغة العربية وآدابها إلى دراستها وشرحها وتلقينها.
ومن ناحية أخرى، شرع عدد من الأدباء في تقليدها وتوظيفها لأغراض شتى. فهناك من ألف مقامات بهدف توصيل العظات الدينية والنصائح الخلقية إلى القارئ مثلما فعل أبو القاسم الزمخشري المتوفى سنة 538هـ، ومنهم من استخدم شكل المقامة ليتناول بشكل غير مباشر بعض الموضوعات الاجتماعية والسياسية. وقد استطاع فيكتور الكك أن يورد في نهاية كتابه (بديعات الزمان) أسماء أربعة وثمانين أديبا كتبوا مقامات في اللغة العربية قبل عصر النهضة؛ منهم من اقتدى بنهج بديع الزمان والحريري كابن الصيقل الجزري صاحب (المقامات الزينية) وناصيف اليازجي مؤلف (مجمع البحرين)، ومنهم من تحرر من القواعد التي وضعها بديع الزمان لفن المقامات. فالزمخشري مثلا لم يضع لمقاماته راويا أو شيخا. كما اختفت في هذه المقامات الكدية التي تعد من أهم العناصر المميزة للمقامة. ومع ذلك فجميع من ألفوا المقامات بذلوا قصارى جهدهم من أجل إبراز مقدرتهم البلاغية من خلال التزام السجع واستخدام البديع.
وفي اليمن اكتشف أهل الأدب فن المقامة في وقت مبكر. ونتيجة لإعجابهم الشديد بمقامات الحريري قام بعضهم – كالأديب محمد بن أبي القاسم الحبائي والأديب علي بن الحضرمي، بإفراد مجلدات عدة لشرحها، بل أن رجال الدين والمتصوفين الذين ينهون عادة عن قراءة الكتب الدنيوية كانوا يقبلون على قراءة مقامات الحريري ويطلقون عليها "طبق الحلوى". ويبدو أن الأديب سعد بن سعيد المنجوي هو أول من كتب المقامات في اليمن وذلك في منتصف القرن السابع للهجرة. إلا أن مقاماته الخمس والعشرين التي ذكرها بامخرمة في كتابه (تاريخ ثغر عدن) لم تصل إلينا. ومنذ ذلك الحين، ألف الأدباء اليمنيون كثيرا من المقامات ذات القيمة الأدبية الرفيعة، إلا أن معظمها ظل - للأسف- حبيس المخطوطات التي تتآكل في رفوف المكتبات. وقد تفضل الباحث القدير عبد الله محمد الحبشي، في عام 1984، بجمع أربع وعشرين مقامة لكتاب يمنيين مختلفين ونشرها في كتاب أسماه (مقامات من الأدب اليمني). وفي عام 1987، أضاف عبد الله الحبشي إلى تلك المقامات ثلاث عشرة مقامة أخرى (سبق أن ضمن روبيرت سيرجنت ثلاثا منها كتابه: نثر وشعر من حضرموت) ونشرها جميعا في كتاب يحمل عنوان: (مجموع المقامات اليمنية).
وفي التصدير الذي يقدم به (مقامات من الأدب اليمني) يؤكد عبد الله الحبشي أن أدباء اليمن قد اتبعوا شكلين رئيسيين في صياغة مقاماتهم: أ- الشكل القصصي ب- شكل الحوار أو المناظرة، ويقول "ولم نجد في المجموعة التي بحوزتنا مقامات سلكت نفس النمط الذي صاغه الحريري في مقاماته". ومع ذلك، خلال قراءتي في مطلع سنة 1989، لبعض المخطوطات في مكتبة الأحقاف في تريم، اطلعت بشغف كبير على (المقامات النظرية ذات الألفاظ الجوهرية) التي سلك مؤلفها الأديب اليمني أبو بكر بن محسن باعبود النهج الذي وضعه بديع الزمان والحريري للمقامات.. وبما أن الحبشي لم يذكر تلك المقامات في مقدمته ولا في مرجعه المهم (مصادر الفكر العربي والإسلامي في اليمن) فقد قمت بنسخها بهدف تحقيقها ونشرها. وقدمت دراسة عن (مقامات باعبود) في ندوة اللغة العربية التي نظمتها كلية الآداب والتربية- جامعة عدن في نوفمبر 1989. ولأسباب عدة لم استطع نشر المقامات كاملة. لكني في سنة 1990 نشرت في مجلة (الحكمة) تلك الدراسة مع أربع من المقامات التي طبعت لأول مرة، ويستطيع القارئ من خلالها التعرف على معظم السمات المميزة لمقامات باعبود.
ولد أبو بكر باعبود في نهاية القرن الحادي عشر للهجرة في بلدة بور الواقعة بين مدينتي سيؤن وتريم في وادي حضرموت. وفي سن مبكرة سافر إلى الهند، ذلك المهجر الشرقي الذي نزح إليه آلاف من أبناء حضرموت خلال القرون الثلاثة الماضية. واستقر في ميناء سورت الذي يقع شمال مدينة بومباي. وقد انتهى هناك من تأليف (المقامات النظرية ذات الألفاظ الجوهرية) في مطلع جماد الثاني من عام 1128، أي قبل وفاته باثنتين وثلاثين سنة. ووفقا للمعلومات التي بين أيدينا لم يترك باعبود كتابا آخر من تأليفه. لكنه، خلال إقامته في الهند قام بجمع (ديوان عبد الله بن جعفر الحسيني العلوي)، وأورد في الصفحات الأولى من هذا الديوان، الذي توجد نسخة منه في مكتبة الأحقاف، بعض المساجلات الشعرية التي جرت بينه وبين صاحب الديوان.
وتقع (المقامات النظرية)، التي حرص مؤلفها أن يكون عددها خمسين مقامة أسوة بمقامات بديع الزمان والحريري، في مئة وتسع وسبعين صفحة مخطوطة من الحجم الصغير قام بنسخها أبوبكر عمر باجابر في مدينة سورت سنة 1193 هـ. وتوجد تلك الصفحات ضمن "مجموع" مخطوط تم إيداعه في مكتبة الأحقاف بتريم تحت رقم 2928. ومن خلال المقدمة التي وضعها باعبود لمقاماته نكتشف أنه على صلة بأدباء عصره، وأنه كان مواظبا على قراءة مقامات الحريري و(المقامات الزينية) التي ألفها ابن الصيقل الجزري في نهاية القرن السادس للهجرة.
ومثلما جعل بديع الزمان أبا الفتح الاسكندري بطلا لمقاماته وعيسى بن هشام راويا لها، واختار الحريري أبا زيد السروجي شيخا لمقاماته والحارث بن همام راويا لها، جعل باعبود أبا الظفر الهندي بطلا لمقاماته والناصر بن فتاح راويا لها. وفي المقامة الأولى (السورتية) نكتشف أن هذا الراوي يمني المولد، وأنه قد سافر إلى "بندر سورت المحروس" بعد أن سمع بعض الناس يصفون جمال أرض الهند. وفي المقامات الأخرى يبرز لنا الناصر بن فتاح رجلا شجاعا، ورغم فضوله الشديد، طيب الأخلاق، وأديبا فصيح اللسان. وقد قدمه أبو الظفر الهندي بطل المقامات مرة إلى أحد ملوك الهند قائلا إنه "نابغة اليمن وخاتمة شعراء الزمن".
أما أبو الظفر الهندي نفسه، فقد جعله المؤلف نموذجا للمكدي الناجح؛ فمثلما دأب بديع الزمان والحريري على إبراز أدب الكدية "أي التسول" في مقاماتهما، حرص باعبود على تجسيد عنصري الكدية الرئيسيين "الفصاحة والحيلة" في جميع سلوك بطله أبي الظفر الهندي. فكأبي الفتح الاسكندري وأبي زيد السروجي، يبرز أبو الظفر الهندي دائما في هيئة رجل شديد الذكاء فصيح اللسان، قوي العزيمة، لكنه لا يتردد في استخدام الحيلة للوصول إلى مآربه.
ومن أبرز السمات الأخرى المميزة لـ(لمقامات النظرية) احتواؤها على كثير من الأبعاد الواقعية والتاريخية، إذ أن باعبود لم يتردد في تضمين مقاماته وصفا لواقع وطنه الأصلي: اليمن الذي يبرز بوضوح خلف ستار الأسماء الهندية التي تحملها المقامات. فالمقامة السابعة التي تبدأ على النحو الآتي "حدث الناصر بن فتاح قال: انتشر أهل البوادي في أكثر النوادي، وقطعوا الدروب، وأكثروا الحروب.." تحتوي على صدى لاختلال الأمن والاضطرابات الناجمة عن الجفاف والقحط اللذين كانا يعصفان بحضرموت في تلك الفترة ويجبران الناس على الهجرة. وفي المقامة الثلاثين (الإله أبادية) يعبّر المؤلف عن حنينه إلى مدينة تريم قائلا: "وأما في الورع والأمانة والعبادة والديانة، فلم أر كأهل بلد ضل عن قلبي اسمها، وما غاب عن عيني رسمها، وقد اكتنفها واديان يقال لأحدهما عيديد، فيه كل جهبذ صنديد، ويقال للآخر النعير، قد جمع كل مير وخير، وهي بينهما كالعروس، تشتاق إلى حسنها النفوس، وقريب منها بلدان أخر قد جُمع فيهن كل فضل يُدخر".
واهتمام باعبود بواقع وطنه الأصلي لا يعني انه لم يستلهم البيئة الهندية التي كان يعيش فيها. ومن أهم الإشارات إلى تلك البيئة توظيف عادة إقدام الزوجة الصالحة على حرق نفسها مع جثة زوجها المتوفى، وذلك في المقامة الثالثة والأربعين: "البرارية". وبالإضافة إلى ذلك، من الواضح أن باعبود قد تأثر كثيرا بالبيئة الهندية حينما ضمن مقاماته قدرا لا بأس به من "الإباحية" - أي الحديث عن الأمور الجنسية بأسلوب مكشوف- التي لا نجدها في أي مقامات عربية أخرى. وبسبب المحتوى "الإباحي" لعدد من المقامات، مثل المقامة التاسعة والثلاثين "البروجية" والمقامة السابعة والأربعين "الهقلي بندرية" والمقامة الثامنة والثلاثين "الرسول نكرية" بدا لنا أنه سيكون من الصعب نشر (المقامات النظرية) كاملة ووضعها في رفوف إحدى المكتبات العامة. لهذا السبب، في عام 1999 ، حينما نشر المجمع الثقافي في أبو ظبي (المقامات النظرية للأديب أبي بكر بن محسن باعبود الحضرمي، تحقيق عبد الله محمد الحبشي)، حذف منها نص المقامة التاسعة الثلاثين (البروجية) بأكملها مبررا ذلك بالتنويه الآتي: "حذفت المقامة المذكور عنوانها أعلاه لاعتبارات تتعلق بالذوق العام" (ص245). كما أشار المحقق عبد الله الحبشي في هامش الصفحة الرابعة والسبعين إلى أن "الناشر حذف بعض المفردات لمنافاتها للذوق العام".
(نشرت هذه المقالة في الملحق الثقافي لصحيفة الثورة بتاريخ 20/6/2005) ، د.مسعود عمشوش "
.أنتهى النقل بتصرف
تجربتي مع المقامات لا تخلو من طرافة..فقد سافرت أنا - كما سافر أبو بكر با عبود - في عمل واصطحبت معي هذا الكتاب فقط. ودخلت في دوامة عمل جديد، كان مليئا بالمشاكل التي ينبغي علي حلها. كنت أعمل لساعات تتعدى 11 ساعة يوميا..كي أسرع من وتيرة العمل، وأوفق بين فريق العمل. ولما كنت أعود بالليل إلى فراشي، حيث لا متسع ولا وقت لعمل أي نشاط آخر، كنت أداوم على النظر في المقامات، فطربت من سجع الكلمات وبليغ العبارات وغزارة الأمثال وتنوع العناصر التي ترسم لك البيئة المحيطة بالكاتب...فتأثرت بها إلى درجة أنني كتبت خطابا مطولا ، وكان هذا الخطاب تقريرا عن ملاحظاتي حول سير العمل، مسجوعا، بليغا على طريقة المقامات!!، وكان من المدير العام لما رآه أن قال: لم أطلب أن يكتب لي معلقات!!
المقامات النظرية ، بتحقيق الباحث القدير عبد الله الحبشي، جعل الكتاب يزداد متعة وجمالا. فمع كتاباته وتعليقاته تدرك معنى أن تكون محققا وباحثا في كتب التراث. وستستفيد من تحقيقاته، تمام�� كفائدتك من الكتاب.
نسختي من الكتاب لم يحذف منها شيء، لذا كانت العبارات الإباحية صادمة لي. ولم يكن في أول عشرين مقامة ما هو جديد بالنسبة لي. ثم بعد ذلك، بدأت أتذوق الشعر الوارد على لسان بطل القصة أبي الظفر الهندي. وصرت أطرب له كما أطرب لنص المقامات. وكلما تقدمت في المقامات، صارت المقامات أجمل وأفضل. المقامات سخرت من الجميع...من الهنود، الذين تكرر وصفهم بأنهم كالبقر. ومن شيخ الطريقة الصوفية الذي صوره بصورة من يستغل الدين لأجل نزواته وشهواته..ومن الرافضة أيضا، والهندوس. وباختصار فإن ما ورد في حق تلك الفرق كان لاذعا.
في نهاية المقامات يتوب أبو الظفر الهندي عن مقالبه وحيله، ويصبح وعظه مؤثرا...ويموت في آخر مقامة وقد ترك شعرا مؤثرا، حفظته ورددته في خلواتي كثيرا. منه ما قاله في التوبة:
دع ادّكار المنزل وكل قصر معتل
ولا تكن كالمهمل واعمل لأول منزل
واذكر زمانا قد مضى ضيّعت ما قد فرضا
مولاك حتما وقضا واسلك طريق الكمل
واندب ذنوبا سالفة سودت منها السالفة
ودع رجالا خالفة عن الصراط الأمثل
طوبى لعبد قد وعى قولي وللحق دعا
وللخطايا ودّعا ولكل فعل مبطل
ثم يأت الدعاء...وما أجمله من دعاء، يقول:
يا من عليه المعتمد يا من عليه المستند
اصلح فؤادا قد فَسُد واغفر لعبد مبتل
ضاق بعيبه الفضا وخاف من يوم القضا
فمنن عليه بالرضا وكن له نعم الولي
وصلّ ما هبّ الصبا تعداد أزهار الربى
على النبي المجتبى وآله ومن يلي
وختم با عبود مقاماته، برثاء تلميذ أبي الظفر له إذ يقول:
سقى الله قبرا ضم أقدامك التي*****سعيت بها دهرا لنفع الخلائق وحيا لسانا كان بالحق ناطقا*****وما زال بين الناس يدعى بصادق سيبكي عليه الحلم والفضل والندى*****وكل أديب كامل الفضل حاذق ويبكي عليك البحر والبر والسما*****مع الأرض والأشجار بل كل شاهق عليك سلام الله حيا وميتا*****وحياك ربي ما بدا لمْع بارق
تمنيت حقا لو أن أبيات الرثاء هذه قد قيلت فيّ،
لما انتهيت من هذا كله، حيرني أبو بكر بن محسن با عبود، فهل هو واعظ وفقيه، أو رحالة، أو حرفوش لا يستحيي من قول ما يريد؟...أيا كانت حقيقة با عبود... فحتما أن هذا الشخص رائع ومبدع فيما سطّر.
لعلنا ننتبه هنا إلى أن أبا الظفر الهندي الذي يتقن التسول بفصيح العبارات وبليغها، ويبرع في الوعظ والنصح وفنون العلوم كما ورد في مقاماته، قد حيرنا في حقيقته كما حيرنا أبو بكر با عبود في حقيقته..فكيف تجتمع إباحية القصص، مع الوعظ المؤثر، مع فصاحة الشعر، وبلاغة العبارات، ودراية بأقسام الفنون والعلوم في شخص با عبود؟ هأنا ذا اكتشف أنني ضحية باعبود، كما غيري كان ضحية أبي الظفر.