الكتاب الثالث الذي أتم قراءته للأستاذ الدكتور حسن حماد ، بعد كتابي "ذهنية التكفير" و "الإنسان المغترب عند إريك فروم" ، و من الواضح أن الكاتب يبذل جهداً مشكوراً في تبسيط الفكرة دون الإخلال بالمعنى ، بحيث يجعل اكثر المواضيع جفافاً و تجريداً سلسلة على القاريء الغير متخصص ،وهذا شيء غير معهود أو معتاد من معظم أساتذة الفلسفة بإستثناء المرحوم الدكتور " زكي نجيب محمود " ، أما بالنسبه لهذا الكتاب تحديداً ، ففيه يناقش الكاتب مفهوم العبث و الإختلاف بينه و بين الوجودية مع الإستشهاد بعدد عظيم من الأمثلة من المسرح العبثي و الأدب العبثي ، و يُحسب للكاتب الإستشهاد المطول برواية "ثرثرة فوق النيل " للمصري العالمي وصاحب نوبل : نجيب محفوظ .
الكتاب دا عامل زي طريق أو مكان لقيته وأنت بتتمشى في هدوء وبلا هدف؛ طريق مش باين إنه حلو ولا حاجة، ولكنك مشيت فيه. لتفاجأ بإن جزء من الخريطة مثير للاهتمام بقى معاك، وممكن توريه لحد تحبه.
من أنا؟ وأين أنا؟ ما هي الحياة؟ ما هو الموت؟ ما هو الميلاد؟ ما هو الزَّمان؟ ما هو المكان؟ لماذا يتعذَّب البشر؟ ما الهدف من كلِّ هذا الوجود؟ وماذا بعده؟ أهو بابٌ أم جدار؟
هذه الأسئلة وغيرها الكثير راودت الكائن البشريّ على مرِّ العصور منذ اللحظة الَّتي نشأ فيها الوعي خلال سلسلة التَّطوُّر البيولوجيّ، وحتَّى يومنا هذا، وستبقى تؤرِّق الإنسان حتَّى يرث اللَّه الأرض ومن عليها.
يستمرُّ الإنسان في حياته حتَّى تلك اللَّحظة الَّتي يختلف كلُّ شيءٍ بعدها، عندما نلمح أحدهم خلف زجاج أحد المحال، ونسأل: ما هو؟ أو لماذا هو حيّ؟ أو عندما ننظر في المرآة ونسأل: من هذا الغريب؟ أو عندما نحضر حادثةً معيَّنة كوفاة شخصٍ أو عذاب مريض...إلخ. حين نشعر بالعبث كما يسميه كامي، أو الغثيان كما يطلق عليه سارتر، أو كالملقى هناك كما يعبِّر عنه هايدجر.
معظم تلك الأسئلة يحاول هذا الكتاب إجابتها ومناقشتها وتحليلها وبيان أثرها بنوعٍ من الأقتضاب، مبتدأً من التَّأثير الإبستمولوجيّ وعلاقة اللامعقول بالعبث، وإجراء بحث تاريخيّ قصير في مفهوم اللامعقول، ابتداءً من الفلسفة اليونانيَّة مرورًا بهيوم وكانط وصولًا إلى ما بعد الثَّورة الفرنسيَّة.
ثم يتَّجه الكاتب إلى التَّحليل الوجوديّ للعبث، محلِّلًا بعض المصطلحات الأساسيَّة كاللامعياريَّة(عدم وجود اللَّه)، اللامعنى(غياب الهدف)، واللاجدوى(الموت)، مشيرًا خلال هذا التَّحليل إلى آراء العديد من المفكِّرين والفلاسفة على رأسهم: ألبير كامي، ومارتن هايدجر، وجان بول سارتر، وأندريه مارلو، وسورن كيركجور.
وفي الفصل قبل الأخير، يناقش الكاتب المسرح العبثيّ: معناه، الجذور التَّاريخيَّة وأسلافه في الميثالوجيا الأغريقيَّة كسيزيف وبرميثيوس وتانتالوس، وأبعاده وأهتماماته وعلاقته بالواقع، وعلاقته بالأدب الوجوديّ. ومناقشة وتحليل أفكار وأعمال بعض الكتَّاب المسرحيِّين العبثيِّين كصموئيل بكيت وأوجين يونسكو وآرثر أدموف وألبير كامي وغيرهم.
في الفصل الأخير يناقش الكاتب الرؤية العبثيَّة لرواية "ثرثرة فوق النِّيل" لنجيب محفوظ، فيبحث في معنى العبث فيها ومستوياته وتركُّزه في شخصيات الرِّواية، وغيرها من المواضيع.
الكتاب في مجمله جيِّد جدًّا، قصير نوعًا ما، اختلف في بعض الحيثيَّات الفكريَّة مع الكاتب، مثلًا نقده للرؤية العبثيَّة عند كامي المرتكزة على الإتِّجاه الإبستمولوجيّ، فيرى خطأ هذا التَّمركز، ويظهر تناقضه حيث يظهر الإتِّجاه الأنطولوجيّ والأكسولوجيّ والسَّيكولوجيّ في رؤيته الَّتي يهملها. لكن في المجمل أنصح بالكتاب.
وان المسرح العبثي قد انتهى ولا ادري كيف تموت الافكار وكيف يموت الانسان ان سؤال العبث ليس سؤال الامس وليس شيئا ينتمي الى الماضي بل انه سؤال الانسان في كل زمان ومكان وفي زمننا الغريب الذي اختلطت فيه الاوراق وتضاربت المعاني واختلطت المعايير وضاع كل شيء في لا شيء يعاود سؤال العبث الظهور مرة أخرى على المسرح الفكري ان سؤال العبث هو في نفس الوقت سؤال عن المعنى معنى الوجود . وكاتب هذه الاسطورة اذ يعذبه سؤال المعنى فانه يحاول عبر هذا الكتاب ان يتسول ويتوسل شيئا من الاجابة لدى بعض الفلاسفة والادباء الذين اعيتهم اسئلة العبث ودوختهم دروب المعنى