يمثل دولوز أحد الرموز الكبرى للنيتشوية الفرنسية المعاصرة ، فمن بين كل الفلاسفة الموسومين بالنيتشوية ، نجد لدولوز وضعا خاصا ، إذ إن قراءته تعد من أهم قراءات الجيل الثاني للنيتشويين في فرنسا ، وكتابه " نيتشة والفلسفة " هو علامة فارقة في تأريخ التأويلات المعاصرة لفكر الفيلسوف الألماني ، بل يمكننا عده أحد أعمق ما ألف حوله في الفلسفة المعاصرة ، غير أن من اللازم التنبيه إلى كون عبارة " النيتشوية " كوصف لدولوز ولفلسفته عبارة تحمل معنى خاصا ، إذ ليس المقصود منها كون دولوز إشتغل على نيتشة وأوقف جهده ووقته على تفسير ونشر مفاهيمه وتبنى مواقفه ، بل العكس أقرب للصواب ، فالكيفية الوحيدة الممكنة بالنسبة للدولوز ، في أن تكون نيتشويا ، هي أن تكيفه في مسار يصبح يصبح فيه نيتشة " خارج ذاته " ، أي أن تكون في النهاية " صيرورة " نيتشوية ، وهذا الأمر لا يتوافق فقط مع منطق دولوز في التأريخ والتفلسف ، حيث لا تكون الهويات إنغلاقات تامة ومواقع ثابتة ، وإنما حركة لا تنفك تسير نحو ذاتها المعلقة دئما ، وهذا ما يتوافق مع جوهر فلسفة نيتشة التي تعتبر التجاوز أرقى أشكال الوفاء . فنيتشة لا يريد مريدين له ولا تلاميذ .
إنه يبدو من الصعب أن نتكلم عن نيتشة ، في تصور دولوز ، بمنطق التاريخ والتراكم الفلسفيين ، سواء نظرنا إليه من جهة الأسلوب ، أو من جهة المفاهيم والإشكاليات . فمن الناحية الأولى يمتاز نيتشة بكونه الفيلسوف " التشخيصي " الذي يقدم أفكاره في صيغة أحدث وأسماء ووقائع حية ، فأفكاره هي " اريان " و " ديوننيزوس " و " زرادشت " و " المسيح " و " يهودا " ... كل إسم يعكس تصورا وفكرة . ومن جهة ثانية ، يمتاز نيتشة بكونه الفيلسوف الذي أدخل مفهوم القيمة والأصل والقوة إلى الفلسفة ، فحول الفلسفة بالتالي من الإشتغال على الحقائق ، إلى الحفر في " أصول القيم وقيم الأصول " بما فيها قيمة ومفهوم الحقيقة نفسيهما ، ولهذا فالخطأ الأكبر في فهم نيتشة هو البحث عن " حقائقه " ، إذ أن نيتشة هو قيم تقدم نفسها بالتقابل مع قيم أخرى ثاوية في الحقائق الفلسفية ، فتاريخ الفكر عنده هو " تاريخ القوى التي تتملك المعاني " ، بهذا يعتبر مشروع نيتشة اكسيولوجيا في المنطلق ، واما الحقيقة والوجود ، فلا تهمه إلا من حيث هي مجالات لفعل القوى القيمية ، سواء كانت قيم إثبات وحياة وعلم مرح ، أي قيم زرادشت وديونيزوس " الإثباتية " أو كانت قيم " السلب " ، ومعاداة الحياة في صورتها السقراطية الكانطية ، أو قيم " الصلب " الهيغلية ذات العمق المسيحي . ولأن الرهان هو على القيم دائما وليس على الحقائق ، فإن الصراع عند نيتشة يكون مع قيم الفلسفات السابقة ، وليس مع حقائقها . لأنها تحددت كجهد لفهم حقيقة الحياة وغايتها ، أي كفكر يقيس الحياة من الخارج ويطرح " الحقيقي " le-vrai كضد على الحياة ،ووفق هذا الرؤية تحددت مهمة الفيلسوف في صورة القاضي الذي يحكم على الحياة ويشرع لما ينبغي أن يكون ، أي في صورة الشخص الذي " يعرف " لهذا كان تاريخ الفلسفة تاريخ " عدميات متعاقبة " ، عدميات تسعى كلها لقياس الحياة وسلبها ، إبتداءا بسقراط " الذميم " وإنتهاءا بهيغل " الحزين " الذي يشكل منطقه الجدلي أقصى درجات الحقد على الحياة وأكمل صور العدمية . هذا تاريخ الفكر إذن هو تاريخ للسلب والنفي والإرتكاس والضمير ، تاريخ يضاد قيم الحياة والإختلاف والرقص ، أي يضاد كل ما يجعل إلهاما للفكر ومن الفكر إمكانية في الحياة
وهذا ما يحليني إلى مقولة الفيلسوف التونسي " فتحي المسكيني " عندما يقول : إن اردتم ان تعرفوا ما يريد قوله، أي نيتشة ، فابحثوا عن القوّة التي تعطي معنى، التي تولّد حاجةً لمعنى ما يقوله. اربطوا النص بهذه القوّة. على هذا النحو، لا وجود لمسألة تأويل عند نيتشه، لا توجد إلاّ مسألة تأليل: تأليل نص نيتشه، البحث عن القوة الراهنة التي يمرر معها شيئًا ما، تيار طاقة.
الأدب الصغير مقابل الأدب الكبير
إن النموذج العام غير ممكن من الناحية الإستطيقية ، لأنه ليس إلا إثباتا لراهن يقدم نفسه كتحقق نهائي، . إن " الكلي هو لا أحد ، بينما الصغير هو للجميع " يحتفي جيل دولوز بما يسميه " بالأدب الصغير " الذي قوامه الأسلوب المستقل والخارج عن مألوف الأساليب ، وينفر مما يسميه " بالأدب الكبير " فكل أدب قوي هو بالضرورة أدب " صغير " من حيث أنه يخلق معياره الخاص ، ويكسر أدب " السادة " ويحرر اللغة والفكر .
استحضر كلام لموريس بلانشو أيضا حينما قال : الكتاب الذي يبيع نسخا كثيرة هو أدب مشكوك في جودته .