المدينة هي طرابلس.. والثلاثون هي امتداد السرد الجميل.. والجميل هو التناول الشعري الذي يتخذ من مفردات الوصف أداة تكشف مكامن الضوء في الزوايا المعتمة.. إنه فعل الإبداع الذي يصوغ التفاصيل المنتقاة من زخم الحياة.. عزة وثلاثون من حكاياها تفعل ذلك فتصبح المدينة بكل تفاصيل الذاكرة قصيدة أو تكاد....!! - علي العباني
عزة كامل المقهور، محامية وعضو في المجلس الوطني الليبي لحقوق الإنسان، لها كتابان: 30 قصة من مدينتي، وفشلوم. تخرجت عزة من كلية الحقوق بجامعة بنغازي ونشرت عدد من المقالات والقصص القصيرة في صحف محلية ودولية مختلفة منها نيويورك تايمز
إذا كان هناك تصنيف يحمل إسم "الكتب الخفيفة المريحة المسلية" سأضع ، حتماً، هذا الكتب فيه. 30 قصّة من مدينتي، قصّص قصيرة للمحامية الليبية عزة كامل المقهور. المدينة هي طرابلس ❤️ وبالأخص حيّ الظهرة الذي نشأت فيه المؤلفة. قصّص مميزة ببساطتها وصدق تفاصيلها؛ بلغة شاعرية وأسلوب كتابي مرهف يُوضح مدى حب الكاتبة لمدينة طرابلس وتعلقها بتفاصيل الطفولة. بعض القصص لم تلامسني ولم أشعر بجدوى وجودها في الكتاب. ولكنّني أحببت وتعلقت بقصّص أخرى، ربّما، لأنها سردت بعضاً من تفاصيل طفولتي. (الدرجيحة، طاسة شاهي، سعدية، بشكليطة، نوّار عشية، الفراشية) من أكثر القصّص التي أعجبتني.
كتاب إستمتعت به، وأظنني محظوظ لأنني وجدته متاحاً للإستعارة في مكتبة المدينة التي أسكنها.
قصة طاسة شاهي
تطرقت الكاتبة في هذه القصة إلى حياة المرأة الليبية “ربة البيت” المتمثلة في شخصية نورية وحياتها التي في مجملها مرهونة لزوجها الصادق، تطبخ وتعد له “طاسة الشاهي” في وقت الظهيرة، في وصف يحملك للماضي الذي كان فيه إعداد “طاسة الشاهي” مرتبطا ب “العالة” بسفرتها الخشبية المستديرة، ومفرش القماش، والسفرة المعدنية، والأبريقين المختلفي الحجم، واللقامة الصغيرة وكؤوس الشاي الزجاجية الصغيرة.
سرد قصصي يفرد صوتا للمرأة “نورية”؛ التي كانت ككل ربات البيوت الليبيات محصورة في أعمال البيت والإهتمام بشؤون زوجها، الذي في غفلة منه وإهمال يتوغل وينهش جسدها مرض السرطان الذي لايتركها إلا لتلاقي الموت.
كلما رفعت نورية ذراعها اليمنى وهي تصب الشاي من علو بين البراد و”اللقامة”، سعيا لتجميع الرغوة، تشعر بألم تحت إبطها … بدأت تقلل من مسافة رفع يدها شيئا فشيئا، لكن الألم لم ينقص …
ذات يوم، أدخلت نورية يدها اليسرى تحت "شلامتها" وتحسست ثديها فشعرت بكرات متحركة بالقرب من إبطها …"خيرها الكشكوشة مطفية"…. لم تشأ نورية أن تفصح للصادق عن ألمها في كل مرة ترفع ذراعها إلى الأعلى لتوفير أكبر قدر من الكشكوشة… ”الصادق يحبها مرغية ومنفوخة”.
فقدت نورية بريقها، وأصبح رداؤها واسعا، تبدو فيه كعود ثقاب بعد أن كانت مستديرة كالخبز الطازج … ولم يلحظ الصادق شيئا .. يتناول طاساته الثلاث ويهرع على عجل للسهرية .. حتى كان ذلك اليوم الذي اكتشف فيه مرضها .. كان قد تفرع داخل ثديها ووصل حتى إبطها كنبات الشوك … لم يترك بقعة في ثديها الأيمن إلا وشبك عروقه فيها …
تضاءلت نورية شيئا فشيئا حتى تلاشت… احترق جسدها وسقطت خصلات شعرها.. وما عادت تقوى على الألم…. تبعثرت عالة الشاهي… وصدئت أباريقها… وتكسرت كؤوسها الزجاجية الصغيرة…