كاتب اشتراكي مصري، التحق بمؤسسة "أخبار اليوم" عام 1965، وقال عن نفسه أنه من جيل تشكل وعيه السياسي في خضم المعركة الوطنية للتحرر من الاستعمار البريطاني والنضال من أجل إجلاء قوات احتلاله مع تنبه مبكر لخطر النفوذ الأميركي الذي كان يزحف على مصر، للحلول محل الاستعمار البريطاني التقليدي؛ وكشف في كتابه "حريق القاهرة" عن دور الإنجليز في تدبير أحداث ذلك اليوم، واهتم بقضايا الزراعة المصرية وخاصة فيما يتصل بتحسين وزيادة انتاج محصول القمح
قرأت بالأمس على جودريدز مراجعة عن كتاب يتناول سيرة حياة هتلر، جاء في أكثر من ألف صفحة، وابتدأت صاحبة المراجعة القول بأنها تستطيع أن تخبرك الكثير عما كان يتناوله هتلر على مائدة إفطاره كل يوم في الفترة بين 1933 إلى إنتحاره في 30 أبريل 1945
والكتب الألفية تتشابه ربما!، لأنني أستطيع - اقتداءً بها - أن أخبرك الكثير كذلك عن يوم 26 يناير 1951 في القاهرة، وتحديدًا في منطقة وسط البلد حيث اندلع الحريق، أستطيع أن أخبرك الأحداث التي وقعت في تلك المنطقة صباح ذلك اليوم، منذ الساعة السابعة صباحًا تمامًا إلى الساعة السابعة أو الثامنة مساءً، وكم مظاهرة انطلقت يومذاك في بداية اليوم قبل إندلاع الحريق، وماذا كانت هتافتها وخطبها وخطوط سيرها وأسماء قادتها، وكيف تفرقت، وكيف اندلع الحريق الأول في كازينو أوبرا، ثم ظهور الحريق الثاني في سينما ريفولي، ثم انتشاره يمينًا وشمالا في المنطقة الواقعة بين رمسيس وميدان التحرير، ووصولا للعباسية إلى شارع الهرم، وكيف كانت هيئات المنهمكين فعليًا في الحريق بتدبير مسبق وانتقالهم من مكانٍ لآخر، وما هي أدواتهم المستخدمة، وتحركاتهم المدروسة، وكذلك أستطيع أن أصف لك هيئات وتصرفات الغوغاء الذين انضموا للحريق فيما بعد وابتدأ النهب والسلب على أيديهم حتى إعلان الأحكام العرفية ونزول الجيش
وما هي تفاصيل الحفلة المشهودة التي أقامها الملك في نفس اليوم لضباط الجيش والبوليس، كيف نُظمت ومتى توافد المدعوين وأسماءهم وكيف كانت المأدبة وكيف رحّب الملك بهم وماذا أخبرهم وماذا دار بالتحديد في هذه المأدبة، وكيف انتهت وتفرّق المدعوين حتى بيوتهم ومن أي طريق؟، وكيف قضى رئيس الوزراء ووزير الداخلية، ومأمور القاهرة ورؤساء الأحزاب السياسية المختلفة في مصر حينذاك، كيف قضوا يوم السبت 26 من يناير 1951، منذ ابتدائه إلى سيطرة الجيش على الشارع وفرض حذر التجوال
يوجد الكثير الذي قد يقال هنا، فالمؤلف صحفي، أقصد ليس روح الدارس المحقق هي السارية فيه، بل روح الصحفي الشغوف، حتى بعد مرور كل تلك السنوات على الحريق وطمس الكثير من معالمه، فالمؤلف بنى أفكاره وما توصل إليه من عرض أجزاء مما جمّعه من مادة الحريق، وكان تناوله للأمر بديعًا، فهو كي لا تفلت الخيوط منه، قرر تخصيص فصل لكل شخصية هامة في أحداث الحريق وعلاقتها به، بدايةً من الحزب الاشتراكي برئاسة أحمد حسين ، فالحزب الشيوعي، فالإخوان، فالوفد، فتنظيم الضباط الأحرار، فالقصر والملك، فالمخابرات وقوات الاحتلال الإنجليزية، وانتهاءً بالمخابرات الأمريكية
وكان من الطبيعي أن يسير الأمر على محاذاة مع أحداث يوم 25 يناير 1951 وما حدث فيه على خطوط القناة، وكذلك وصف للحالة السياسية العامة في مصر منذ إلغاء معاهدة 1936 حتى احتراق القاهرة، فالأحداث مترابطة، فبعد هذا العرض المتشعب، تجمعت الخطوط لديه في أن إنجلترا تعرضت لضغوطات كثيرة منذ إلغاء المعاهدة التي كانت تحصل بموجبها على شرعيتها وعلى امتيازات خاصة بوضعها في مصر، فمنذ إلغائها ابتدأ الكفاح المسلح الشعبي ضدها في مصر (بمباركة الحكومة الوفدية التي سعت حتى لإصدار قانون بإباحة حمل السلاح وجعل امتلاك السلاح في يد الشعب هو الأصل المباح، ومنعه هو الاستثناء بالقانون)، هذه الأحداث التي تتوّجت بأحداث الإسماعيلية البطولية في يوم 25 يناير 1951 (عيد الشرطة)، فكان الإحتلال الإنجليزي بحاجة إذن إلى شيء ما يظهر ضعف حكومة الوفد وخاصة أمام أفراد الشعب، فكان - في وجهة نظر المؤلف - هذا الحريق المدبر، الذي تتوّج أيضًا بإعلان الحكومة الأحكام العرفية، وإعلان هذا يعني عجزها عن معالجة الموقف، مما مهد لإقالتها من قبل الملك
إذن فقد قال: أن الإنجليز هم الطرف المدبر للحريق
بمفردهم ؟
حاشا !
أدخل الملك فاروق معهم!، بما أنه مستفيد أيضًا، وكتب المؤلف في هذه الجزئية صفحات عديدة جدًا لمحاولة تفنيد أي بصيص أمل أو احتمال يخرج الملك من دائرة مرتكبي الحريق، بل كان - بشكل فج صراحة! - يحاول بكل ذرة منطقية أن يحشره مع الإنجليز بالتواطئ معهم، ولم أحب هذه الصفحات على الإطلاق، فالملك فاروق في هذا الكتاب مكروهٌ طاغية لا ينتمي إلى هذا البلد الذي ورثه من أجداده، فلن يضيره حرق العاصمة لتحقيق ما يريده من التخلص من حكومة تعانده !
إذن مدبرو الحريق هم الإنجليز بالتعاون مع الملك فاروق ؟
كلا!، ليس بعد !
دخل معهم أيضًا المخابرات الأمريكية، كشريك أصيل، له إمكانيات ورجال يخدمون مصالحه في مصر، وتنفيذًا لسياسات أمريكا حينذاك بالتغلغل وتغيير خريطة النفوذ في الشرق الأوسط، ولشيء آخر سيأتي
..
إذن الإتهام النهائي الذي انتهى إليه هذا الكتاب هو تبرئة الحزب الاشتراكي والشيوعيين والضباط الأحرار وعامة الشعب، وإلقاء التهمة النهائية على الإنجليز بالتعاون مع الملك وبمساعدة أمريكية
!!
هذا كثير صراحة
المهم، الشيء الذي جعله يدخل الأمريكيين مع هذه الزمرة، هي حكاية "الأفيشات"، التي ظهرت ملصقة في بعض الشوارع - بغرابة شديدة - في الساعات المتأخرة من يوم 25 يناير 1951 والذي شاهدها آخرون أيضًا في ساعات الصباح الأولى من يوم 26 يناير 1951، أي قبل اندلاع أول الحرائق ظهرًا، لأن هذه الأفيشات كانت عليها صورة مدينة (ما) محترقة وتبدو منها ألسنة اللهب، مع عبارة مكتوبة عليها بالعربية تقول: الشيوعيون فعلوا هذا !
سأل المؤلف شهودًا عديدين حول هذه الأفيشات، وكاد لا يصدق نفسه، ويحاول التأكد منهم تمامًا حول ما شاهدوه
س - هل تذكر متى رأيت بالضبط هذه الأفيشات؟
ج - التي عند كوبري شبرا رأيتها بالليل الساعة 9 مساء
س - يوم ..؟
ج - يوم 25 يناير على ما أذكر، ثم رأيتها صباح يوم 26 يناير في شارع فؤاد بجوار حديقة الأزبكية
س- وهل أنت متأكد أنك رأيت هذه الأفيشات يوم 25 مساءً ويوم 26 يناير صباحًا، أم يوم 26 مساءً و27 صباحًا؟
ج- ما أذكره أنها كانت يوم 25 مساءً عند كوبري شبرا، وعند الأزبكية يوم 26 صباحًا
س- لماذا أنت متأكد من هذه المواعيد، أليس من المحتمل أن تكون ذاكرتك غير دقيقة في حفظ المواعيد، أو ربما تكون ناسيًا، هل هناك شيء محدد يجعلك تذكر هذه التواريخ بالذات؟
ج- نفس الرؤيا هي التي تذكرني بالتاريخ، وتاريخ يوم 25 و26 يناير معروف جيدًا بالنسبة للناس الذين كانوا يبحثون عن الحقيقة من الغرض من حرق القاهرة .. والذي يذكرني بهذه التواريخ إني إندهشت جدًا عندما شاهدت هذه الأفيشات، ثم إندهشت أكثر عندما حدث الحريق
س - ولكن هذا يعني أن هذه الأفيشات كانت تشير إلى حريق .. وأن هذا الحريق لم يحدث بعد، المنطق يقول أن الأفيشات تعمل بعد أن يتم الحريق، فأنا أرجو أن أستوثق أن ذاكرتك لا تخونك في تحديد يوم 25 مساءً ويوم 26 صباحًا
.
.
إلى آخر هذا، ومع شاهد آخر غير الذي سبق يسأله فيجيب:
ج - في صباح يوم 26 يناير الساعة السابعة، توجهت إلى عملي في محلات شملا بشارع فؤاد، وبينما كنت أسير تحت كوبري الملك الصالح لكي أركب الترام المتجه إلى وسط البلد، وجدت أفيشين ملصقين بجوار بعضهما على النفق، فيهما صورة حرائق، عبارة عن ألسنة لهب باللون الأحمر، ومكتوب عليها "الشيوعيون فعلوا هذا"، ولما كان الأمر يهمني فقد وقفت وبحلقت فيهما، وتبينت أن المصوّر عليهما حريق، لكن أين؟، في بلد آخر؟!، وواصلت رحلتي
س - هل أنت متأكد أنك رأيت هذه الأفيشات يوم السبت 26 يناير صباحًا؟
أنا أشفقت على المؤلف صراحة
أسلوب الكتاب هو تكوين الصورة الخاصة مما توصّل إلى معرفته المؤلف، إلى أن ينهي وجهة نظره وتسلسله المتصوّر للحريق، ثم يبتدأ النصف الثاني من الكتاب، في إيراد شهادات وحوارات مسجلة كثيرة لأبرز الشخصيات التي ارتبطت بالحريق، كوزير الداخلية ووكيل الديوان الملكي، وأعضاء بارزين من الحزب الشيوعي والاشتراكي والعمالي ومن الإخوان المسلمين ومن أعضاء تنظيم الضباط الأحرار، ورؤساء الصحف والمجلات، وهلمّ جرا، ثم وضع ملحقًا ثانيًا في نهاية الكتاب فيه تقرير النائب العام ونصوص أحكام قضائية وتقرير مراقبة متصل بالحريق وكذلك البيانات الرسمية التي أصدرتها الأحزاب والحركات السياسية وقتذاك على إثر وقوع الحريق
نعم!
بعد هذه الحيرة الطاغية في محاولته لتفسير ظهور هذه الأفيشات قبل اندلاع الحريق فعليًا، انتهى إلى أن أسلوب الأفيشات هذا يعتبر من أساليب المخابرات الأمريكية عادة، ثم أن العدو الأول للشيوعيين هي أمريكا
بالتأكيد، كانت هذه الصفحات حول هذه الأفيشات غير مقنعة تمامًا!، لا أدري أيضًا سوى ما انتهى إليه الشهود في القول أنهم أدركوا منذ الوهلة الأولى أن الجهة التي وراء هذه الملصقات أرادت وحسب إبعاد الشبهات عن نفسها وإتهام طرف آخر بالحريق التي كانت تعمل على تدبيره حينها
ولكن لم اطمأن قط لربط هذه الملصقات بأمريكا، ثم الاضطرار بالتأكيد إلى البحث عن أسباب أخرى واهية لتدعيم دور أمريكا في تدبير الحريق، لتتسع دائرة الاتهام ويستريح ضمير المؤلف من حكاية هذه الأفيشات
ثم أن أسباب رجال الاحتلال الإنجليزي لمصر كافية حقًا، وتشكل - بلا ريب - الدافع لهذا التدبير، وخاصة أن الخسائر البشرية الناتجة عن حريق القاهرة في عداد المنعدم تقريبًا، وكان الهدف من الحريق كما سبق القول بيان عجز الحكومة تمامًا، وخاصة بعد أن ألغت المعاهدة معهم، ووقفت بكل قوتها في جانب الفدائيين في مدن القناة
ثم يكفي المؤلف فخرًا بأنه استبعد - بكل إصرار وتفنيد لأي تهمة تمسهم - مشاركة أي عنصر مصري في تدبير حريق القاهرة
ولكن بالله، وأنت مازلت حيًا إلى هذه اللحظة - متعك الله بالصحة والعافية - وبعد أن رأيت ما حدث لهذا البلد، بالله دعني اسألك هل مازال لديك أدنى شكٍ في أن "الأبناء" أصبحوا يحرقون أوطانهم أيضًا
بحث شامل مستفيض عن حريق القاهرة في ٢٦ يناير ١٩٥٢ والحالة السياسية وقتها، اعتمد الكاتب على الصحف الصادرة وقتها وعلى ملفات قضية حريق القاهرة وعلى شهادات الكثير من شهود الحادث ويحسب له أنه لم ينساق وراء رأيه الشخصي أو حكمه المسبق، بل وضع بين يدي القارئ المهتم والمؤرخ المعني بالحادث أكبر قدر ممكن من وثائق الحادث والشهادات عنه.